الرأي الحر

حين تُصبح “الأخلاقيات” رداءً لتصفية الحسابات

سليم لواحي

ما كشفت عنه تسريبات “لجنة الأخلاقيات” في المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد فضيحة إدارية عابرة، بل هو زلزال يهز أركان الثقة التي قامت عليها مهنة الصحافة في بلادنا. إنه دليل صارخ على أن الهيكل التنظيمي الذي أُنفق عليه الجهد والوقت ليكون حامياً للصحافي، قد تحول إلى سيف مسلط يخدم أجندات ضيقة بعيدة كل البعد عن مبدأ “الأخلاق”.

عندما يُطالب صحافي بالالتزام بأخلاقيات المهنة، فإننا نفترض أن الجهة التي تحاسبه هي نفسها النموذج الأسمى للنزاهة والحياد. لكن التسجيلات المنسوبة لاجتماع اللجنة المعنية بحالة الزميل حميد المهداوي، لم تظهر التزاماً بالحياد، بل أظهرت، بكل أسف، تحيزاً مسبقاً ولغة تلوح بالانتقام وتصفية الحسابات.

بعد سقوط قناع النزاهة

إن هذا التدهور في الأداء يطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة المجلس ورسالته. فمن المفترض أن يتمحور دور المجلس حول رفع مستوى المهنة، وضمان استقلالية الصحافي، وحماية حرية التعبير ضمن حدود المسؤولية. لكن عندما يُستخدم مصطلح “الأخلاقيات” كـرداء خادع لتمرير قرارات استهدافية، وعندما تُوظف آلية سحب البطاقة المهنية، وهي شريان حياة الصحافي، بناءً على حسابات خارجة عن مدونة السلوك، فإننا نقف أمام حالة واضحة لـخيانة الثقة المهنية.

كيف يمكن لمؤسسة أن تطلب من الصحافيين التزام الشفافية والمسؤولية، بينما هي نفسها تمارس عملها ضمن دهاليز يُشتم منها رائحة التآمر والانتقاء والانتقام؟

إن جوهر القضية ليس في قرار سحب بطاقة صحافي بعينه، بل في التشكيك المريع في نزاهة المؤسسة القائمة على هذا القرار. فإذا كانت اللجنة مُسيَّرة بدوافع غير مهنية، يصبح كل قرار اتخذته وكل توجيه أصدرته محل شبهة وتساؤل، ويفقد المجلس الوطني للصحافة قيمته الأساسية كـجهة ضابطة ومحكمة للقطاع.

 هل حان وقت التطهير والمحاسبة ؟

إن استمرار رئيس المجلس، يونس مجاهد، في منصبه بعد هذه الفضيحة الأخلاقية المدوية يُعتبر بحد ذاته استخفافاً بالرأي العام المهني والوطني. إن المسؤولية ليست فقط في الاعتراف بالخطأ، بل في الاعتراف بالفشل ايظا.  لأن حماية النزاهة داخل هيئة كالمجلس الوطني للصحافة  يُفترض أن يكون قدوة في النزاهة والشفافية لا ان يستغل منصبه للتأثير على القضاء.

أظن أنه لا يمكن ترميم هذا الصدع إلا عبر ما يلي:

  1. المحاسبة العلنية والجذرية: لا يكفي التبرير، بل يجب تقديم الأعضاء المتورطين في التسريبات للمساءلة.

  2. فتح تحقيق قضائي شفاف ومستقل: لتحديد ما إذا كانت هناك دوافع سياسية أو شخصية وراء هذا القرار، وراء ستار “الأخلاقيات”.

  3. الاستقالة الجماعية للقيادة: ما يفتح المجال لإعادة هيكلة سريعة للمجلس الوطني واستعادة ثقة الصحافيين الذين بدأوا يفقدون الأمل في هذه المؤسسة.

إن أخلاقيات الصحافة هي صمام الأمان لمهنتنا وحريتنا. وعندما يُكسر هذا الصمام بأيدي حُرّاسه أنفسهم، فإننا نكون بصدد كتابة مذكرات رثاء للصحافة الحرة والمهنية. على كافة الفاعلين أن يستوعبوا أن صمتهم الآن هو موافقة ضمنية على موت المهنة واقبارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى