
يناير.كوم – ياسين شريحي(مدير النشر)
ليست كل الخيبات متشابهة… فبعضها يأتيك من خصم واضح، وبعضها الآخر يتسلل من داخل المؤسسات التي يُفترض أنها وُجدت لدعمك، وهذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث داخل دواليب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإقليم خريبكة، حيث يتحول الأمل في دعم المشاريع إلى مسار غامض تحكمه الاعتبارات غير المعلنة.
من حيث المبدأ، تقوم المبادرة على منطق واضح: تشجيع الاستثمار المحلي، دعم الشباب، خلق فرص الشغل، وتحقيق العدالة المجالية. لكن، في الممارسة، يبدو أن بعض الملفات لا تُعالج وفق معايير تقنية صرفة، من قبيل دراسة الجدوى وbusiness plan، بل وفق منطق آخر يصعب تفسيره… أو ربما يصعب تبريره.
كيف يمكن تفسير أن يسمع حامل مشروع عبارة من قبيل: “هذا المشروع كنت أفكر أنجزه أنا” من شخص محسوب على لجنة يفترض فيها الحياد؟ هل نحن أمام مؤسسة مواكبة للاستثمار، أم أمام فضاء تتقاطع فيه المصالح والرغبات الشخصية؟
الأخطر من ذلك، ليس فقط في التصريحات، بل في المسار الإداري للملفات. مشروع تم قبوله في عهد العامل السابق حميد الشنوري، وكان ينتظر فقط توقيع اتفاقية الشراكة، يتم تأخيره بشكل غير مفهوم، ثم يدخل في حالة “انتظار” غير مُعلنة، قبل أن يُلغى فجأة دون إشعار رسمي! هل هذه هي الحكامة التي نتحدث عنها؟ أم أن “الانتظار” أصبح مرادفا لـ”التصفية الصامتة”؟
وعندما تحاول الفهم، تصطدم بإجابات متناقضة، وموظفين يتحدثون خارج اختصاصاتهم، وذاكرة إدارية تبدو انتقائية… بل ومريحة لمن يريد طيّ الملفات دون ضجيج، أما محاولة الوصول إلى المسؤول الإداري المباشر، فتتحول إلى متاهة بيروقراطية تُعيدك إلى نقطة الصفر.
بعد تعيين العامل الجديد هشام العلوي المدغري، ساد اعتقاد بأن صفحة جديدة ستُفتح، وأن زمن “الحرس القديم” قد انتهى. لكن الواقع يوحي بشيء آخر: نفس العقليات، نفس الأساليب، وربما نفس الشبكات التي تُدير الأمور من الخلف.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا تم إقصاء هذا المشروع؟ بل:
من يحدد فعليا من يستفيد ومن يُقصى؟ وعلى أي أساس؟
إذا كانت المشاريع تُقبر دون تعليل، وإذا كان بعض الفاعلين يتعاملون معها كفرص شخصية محتملة، فنحن لا نتحدث عن اختلالات بسيطة، بل عن انحراف في جوهر الفكرة نفسها. المبادرة لم تُخلق لإرضاء الخواطر، ولا لتوزيع الامتيازات بشكل غير معلن، بل لتكون رافعة تنموية حقيقية.
ثم ماذا عن التتبع والمراقبة؟ أين هي آليات تقييم المشاريع المقبولة؟ وهل يتم فعلاً تتبع أثرها على أرض الواقع، أم أن الأموال تُصرف ثم تُترك المشاريع لمصيرها؟
الأكيد أن ما يحدث اليوم يطرح أكثر من علامة استفهام… ويفتح الباب أمام نقاش أوسع حول شفافية تدبير المال العام المحلي، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما الرسالة الأوضح، فهي أن الشباب لم يعد يقبل بلعبة الغموض. من يملك مشروعا اليوم، يملك أيضا الوعي والجرأة للدفاع عنه، بل والسير به خارج منطق “الانتظار الإداري” إن اقتضى الأمر.
وإن كان البعض لا يزال يُدير بعقلية الماضي، فالمؤكد أن زمن الصمت قد انتهى.



