بعد خسارة نهائي كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، لم يكن الجرح رياضيا فقط، بل تحوّل سريعا إلى أزمة تواصل وموقف، إن الشارع الكروي المغربي، وهو يعيش صدمة الخسارة وما رافقها من فوضى واحتجاجات داخل الملعب وخارجه، انتظر خروجا واضحا من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أو على الأقل تصريحا مباشرا من رئيسها فوزي لقجع، يشرح، يدافع، ويضع الرأي العام أمام الحقيقة. لكن ذلك لم يحدث.
بدل المواجهة الإعلامية وتحمل المسؤولية أمام الجمهور، اختارت الجامعة طريق المكاتب المغلقة، وقدّمت شكاية رسمية إلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بخصوص أحداث النهائي، في خطوة قانونية بحتة لا خلاف حول مشروعيتها، لكنها لا تعوّض أبدا غياب التواصل السياسي والإعلامي مع جمهور غاضب ومحتقن. الأسوأ من ذلك أن المغاربة وجدوا أنفسهم يتابعون تطورات الملف من خلال بلاغات وتصريحات الجامعة السنغالية الخصم، لا من مؤسستهم الوصية.
اليوم، صدرت قرارات الكاف، وجاءت صادمة لمن كان يراهن على إنصاف حقيقي، الكاف عاقب، نعم، لكنّه عاقب الجميع بلا استثناء، ورفض المساس بنتيجة المباراة النهائية، تم تحميل المسؤولية للمدرب السنغالي ولاعبين من الطرفين، وفرضت غرامات مالية على الاتحادين، المغربي والسنغالي، في محاولة لتقديم صورة “الحياد”.
غير أن جوهر الإشكال ظلّ قائما: انسحاب المنتخب السنغالي المؤقت من أرضية الملعب لم يُعتبر سببا لإلغاء النتيجة أو اعتبار الفريق منهزما، رغم وضوح النصوص التي تعاقب الانسحاب وتعطيل السير العادي للمباراة.
هنا بالضبط يطرح السؤال الجوهري: إذا كان القانون لا يُطبَّق بحرفيته في مباراة نهائية قارية، فأين تكافؤ الفرص؟ وكيف يُفهم أن تُفرض عقوبات مالية وتأديبية، ويُعترف ضمنيا بوجود تجاوزات خطيرة، ثم يُغلق الملف رياضيا وكأن شيئا لم يكن؟ هذا منطق انتقائي في تطبيق القانون، يفرغه من محتواه، ويحوّله إلى أداة تهدئة لا أداة عدالة.
لكن، ورغم خطورة قرارات الكاف، فإن الجزء الأكبر من الغضب الشعبي موجّه اليوم إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نفسها، فالصمت في لحظة كهذه ليس حكمة، بل فراغ، وغياب لقجع عن الإعلام، وهو الذي اعتاد الظهور في محطات أقل حساسية، يطرح أكثر من علامة استفهام؟ هل خافت الجامعة من الرأي العام؟ أم اختارت ترك الملف يبرد حتى ينساه الشارع؟ أم أنها تعتبر أن الشكاية وحدها كافية لإسكات جمهور كامل؟
في دول تحترم جماهيرها، يخرج المسؤول الأول، يشرح ما وقع، يحدّد المسؤوليات، ويؤكد أن كرامة الكرة الوطنية ليست موضوع مساومة. أما أن نبحث عن روايتنا في تصريحات خصمنا، فذلك فشل تواصلي وسياسي قبل أن يكون رياضيا.
الخلاصة واضحة:
الكاف طبّق القانون بنصفه، والجامعة المغربية تواصلت بنصف حضور، والنتيجة فراغ استغلته أطراف أخرى لفرض روايتها، كرة القدم اليوم ليست تسعين دقيقة فقط، بل خطاب وموقف وجرأة، ومن لا يملك شجاعة مواجهة جمهوره في الخسارة، لا يحق له الاحتفال باسمه في الانتصار.