ثقافة وفن

الكرنفال الدولي "بيلماون" جدل حول المأسسة واقتلاع الجذور

في الآونة الأخيرة أثارت تظاهرات “بوجلود”، أو “بيلماون بالأمازيغية، المقامة بمناطق سوس، ردود أفعال قوية، بين من يعتبرها تراثا ثقافيا يجب الحفاظ عليه، ومن يصنفها ضمن الطقوس الوثنية البدائية التي يجب محاربتها، وفي خضم هذا النقاش، نظمت جماعة أكادير رفقة شركائها مهرجانا دوليا ل”بيلماون” أيام 21 و22 و23 يوليوز 2023، بغية تنتويج الاحتفالات التي شهدتها مختلف مناطق سوس بعيد الأضحى، مما أثار مرة أخرى نقاشا حول أحقية جماعة أكادير بتنظيم هذا المهرجان، بين من يدافع عن مأسسة الاحتفال وإشعاعه، ومن يعارضه خوفا على تحويل الموروث إلى فرجة تفتقد للأصالة والعفوية كما في المدن والأحياء الصغيرة.

بيلماون” تقاطب القراءة:

أثار هذا الموضوع اهتمام الباحثين والنشطاء الاجتماعيين، فمثلا الأستاذ أحمد عصيد يرى أن الكرنفال طقس احتفالي يعبر عن الفرح الجماعي، وهدفه التسلية وكسر روتين الحياة اليومية، وكذا نقد للحياة الاجتماعية، ويسلط الضوء على إشكالية الفقه التراثي وإيديولوجيته السياسية، كتوجه مضاد لهذه الثقافة المحلية، حيث يسوق هذا الفقه لفكرة الوثنية، لأن هذه التقاليد العريقة هي سابقة عن المرحلة الإسلامية، بينما في الحقيقة لا يمكن للوثنية أن تعود لأن الحضارة الحالية تجاوزت الوثنية بل وتجاوزت الأديان الإبراهيمية نفسها.

ويوصي العديد من المتتبعين بقراءة كتاب عبد الله حمودي، “الضحية وأقنعتها بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب”، حيث يقدم فيه تأويلا علميا لطقس “بيلماون”، بناء على بحث ميداني بأيت ميزان، يروم فيه رفع المغالطات التي مررها الإثنوغرافيون الكولونياليون، مثل “إدموند دوتي” و”إميل لاوست”، لكن هذا الكتاب هدفه فهم طقس “بيلماون” وعلاقته بالذبيحة الإسلامية، وليس اتخاذ موقف من التراث كما يروج في النقاش المثار.

كما سبقت الإشارة، الاتجاه الإسلاموي يرفض قطعا هذه العادة تحت مبرر الوثنية، وانبثقت عن هذا الاتجاه أشكال أخرى من الرفض، “شبكة جمعيات أكادير” أصدرت بيانا بعنوان “مهرجان بيلماون أية ثقافة يحمل؟”، تعارض فيه يشدة طقس “بيلماون”، لأسباب تتلخص -في نظرها- في استعراض “طقوس دخيلة مثل المثلية وعبدة الشياطين وما يصاحب ذلك من إعمال إجرامية، والتطبيع مع الشذوذ الجنسي والوثنية”. ويمثل هذا الرأي فئة تضع قيودا لإبداع الشباب في هذه الاحتفالات الكرنفالية، فمثلا يعني الشذوذ الجنسي عندها وضع مساحيق التجميل من قبل الذكور، وتحكم على من تزين بقرني الأضحية بعبادة الشياطبين.

“كرنفال بيلماون الدولي” مأسسة للتراث أم اقتلاع للجذور؟

لأول مرة تنظم جماعة أكادير كرنفال “بيلماون”، أما في السابق كان هذا الحدث (وخاصة في شقه الاستعراضي “الديفيلي”) ينظم حصرا من قبل الجمعية الإقليمية لمهرجان بيلماون بودماون بمدينة الدشيرة، فلم يستسغ البعض هذه التظاهرة، التي حولت الموروث في نظرهم من مكانه الأصلي (الأحياء) إلى (المركز)، الناشطة المدنية في الشأن المحلي بالدشيرة جميلة زيو تقول “تم تنقيل ديفيلي الدشيرة إلى أكادير، من أجل المال، أما ذريعة تدويله فلم تعد مقنعة بعدما شهدنا المستوى الذي مر فيه، أين القنوات الإعلامية الأجنبية؟ إنه دولي بالاسم فقط، ثم ليس من حقهم تحويل “بيلماون” إلى أكادير، لأن المكان الأصلي هو الدشيرة”، وترى الناشطة أن هذا المهرجان سيقضي على “ديفيلي” الدشيرة في السنوات المقبلة، وسيقتل عفوية الاحتفالات الكرنفالية بالأحياء المرافقة لعيد الأضحى.

مهرجان الكرنفال الوطني "الدشيرة"

وذهب الكاتب والناشط الأمازيغي عبد الله بوشطارت أبعد من ذلك، حيث قال في تدوينة له”بأي حق يتم سرقة هذا المشروع وتهريبه إلى مدينة أكادير وإضافة تسمية “الدولي” للكرنفال الوطني المنظم في الدشيرة، فبعد ظهور برنامج الكرنفال المسروق اتضح أنه لا يحمل أي جديد يذكر، اللهم إضافة الدولي في التسمية والتي تبدو أن هدفها هو تضخيم الميزانية”. ويرى أن مبادرة الجماعة ما هي إلا تبضيع وتسليع للثقافة، وإفراغ “بيلماون” من عفويته وشعبيته، من ظاهرة مجتمعية ينظمها شباب الأحياء والدروب الشعبية إلى تظاهرة ميتة تنظم على منصة حديدية مفبركة.

هذا الصوت المعارض، يقابله صوت آخر، يشيد بمبادرة الجماعة، ويعتبرها خطوة هامة لتثمين التراث الثقافي وتدويله، يقول رئيس هيأة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بجماعة أكادير حسن حجي “لا يرتبط “بيلماون” بمكان معين، صحيح أن الدشيرة وإنزكان وغيرهما من المدن راكموا تجربة في تنظيم الكرنفال، إلا أن الحديث عن منبع أصيل واحد نقاش عقيم”، وأضاف المتحدث “لا يعني تنظيم هذا المهرجان في مدينة أكادير إقصاء للمدن والأحياء الأخرى، بل يجب أن يكون إطارا مكملا للاحتفالات التي تقام بعيد الأضحى، فهي تتويج لها، وانتصار لتدويلها، باعتبار أكادير مدينة سياحية”، ففي نظره يجب امتلاك رؤية استراتيجية، يكون خلالها “بيلماون” مدخلا للتنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية، عبر إشراك المكونات الثقافية الأخرى، مثل باقي المهرجات العالمية التي تقام في ريو دي جانيرو وتونس وغيرهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى