الرأي الحر

فساد النخبة وخراب الوطن: حين تتحول الأحزاب إلى دكاكين والشهادات إلى سلعة

فساد النخبة وخراب الوطن: حين تتحول الأحزاب إلى دكاكين والشهادات إلى سلعة

بقلم: سليم لواحي

كلما ظننا أننا بلغنا القاع في هذا البلد، نُفاجأ أن هناك دائمًا قاعًا أعمق. قضية أحمد قيلش، الأستاذ الجامعي والمنسق الإقليمي لحزب الاتحاد الدستوري بأكادير، ليست فقط فضيحة أخلاقية وقضائية، بل صفعة جديدة للمغاربة من طرف ما يُفترض أنها “النخبة” التي تقود وتُعلّم وتُشرّع وتُقنّن.

رجل من المفترض أن يكون حاملًا للعلم، ومربّيا لأجيال من الطلبة، يتحوّل ـ بحسب ما راج وبدأ التحقيق يكشفه ـ إلى تاجر في الشهادات، وسمسار في مسالك الماستر، وميسّر لطريق “النجاح” أمام من يملك المال، لا العقل. زوجته، محامية، يقال إن في حسابها البنكي 8 مليارات سنتيم. ومن حولهما، شبكة من المحامين المتمرنين والمسؤولين القضائيين… دولة داخل الدولة.

فساد النخبة: الخيانة العظمى

المشكلة لم تعد في “فساد الأفراد”، بل في فساد النخبة. أولئك الذين يُفترض أن يكونوا الضمير المهني والأخلاقي لهذا الوطن، باتوا في قلب شبكات الرشوة، وتبييض الشهادات، والمتاجرة في مصائر الناس. لم يعد الفساد يمشي في الظل. إنه اليوم يلبس ربطة عنق، ويحمل لقب “دكتور”، ويدّعي تمثيل الشعب في مؤسسات الدولة.

كيف لمواطن بسيط أن يثق في شهادة جامعية وهو يرى أنها تُباع وتُشترى؟ كيف لشاب يحلم بولوج مهنة المحاماة أن يؤمن بقانون النجاح، وهو يرى زملاءه يتجاوزونه لأنهم فقط دفعوا الثمن المناسب؟

فساد الأحزاب: الجناح السياسي للرداءة

ولنكن صريحين أكثر: ماذا ننتظر من أحزاب تحوّلت إلى دكاكين موسمية، توزّع التزكيات على أصحاب المال والولاءات؟ حزب الاتحاد الدستوري، وغيره كثير، لم يعد يمثّل توجها فكريًا أو مشروعًا مجتمعيًا، بل أصبح “واجهة قانونية” لتسويق النفوذ، وحماية المصالح.

عندما يتورط منسق حزبي في جامعة عمومية في هذه الفضيحة، فهذه ليست سقطة فردية، بل دليل على ما وصلت إليه النخب الحزبية من تسلّق وانحدار. هل هناك تدقيق في من يمثل الأحزاب؟ هل هناك مراقبة لمصادر ثروات هؤلاء “المناضلين” الجدد؟ أم أن كل شيء مباح باسم “الانتخابات” و”التمثيلية” و”الشرعية الشعبية”؟

من يحاسب من؟

كيف سنبني دولة الحق والقانون، إذا كان من يُدرّس القانون يخرقه؟ كيف سننتظر إصلاح التعليم، إذا كان أطره يتلاعبون بشهاداته؟ من سيحاسب من، إذا كان جزء من القضاء نفسه، بحسب التسريبات، طرفًا في هذا العبث؟

هذا الوضع لم يعد يُحتمل. الإصلاح لا يأتي من داخل منظومة مأكولة من الداخل. الحل يبدأ من تطهير حقيقي، صارم، لا يرحم أي فاسد، سواء كان أستاذًا جامعيًا، أو مسؤولًا قضائيًا، أو منسقًا حزبيًا.

كلمة أخيرة

في النهاية، لسنا ضد الأحزاب، ولا ضد النخبة، بل ضد الزيف الذي غطى وجوههم. نحن نريد أحزابًا حقيقية، تُخرّج قادة لا سماسرة. نريد نخبة تُؤمّن أن الشهادة لا تُشترى، وأن المحامي يجب أن يكون أول من يحترم القانون، لا أول من يلتف عليه.

ما نحتاجه ليس فقط محاسبة قيلش ومن معه، بل أن نقف جميعًا، كمجتمع، لنقول: كفى من تحويل الوطن إلى غنيمة، والتعليم إلى تجارة، والنخبة إلى مافيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى