من الحكواتي إلى صرامة الخوارزميات: تجاذبات السينما الإفريقية في زمن الذكاء الاصطناعي

من الحكواتي إلى صرامة الخوارزميات: تجاذبات السينما الإفريقية في زمن الذكاء الاصطناعي
سليم لواحي ـ خريبكة
في دورة استثنائية بكل المقاييس من مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة، اختارت اللجنة المنظمة شعارًا يثير في العمق أسئلة وجودية عن المستقبل والهوية:
“من الحكواتي إلى صرامة الخوارزميات… تجاذبات السينما الإفريقية“.
هذا الشعار لا يُستدعى بوصفه جملة شاعرية فحسب، بل كإطار فلسفي يستبطن تحوّلًا جوهريًا في علاقة السينما الإفريقية بوسائطها، ورؤاها، وآليات إنتاجها في زمن تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) إلى إعادة تشكيل الفنون والخيال البشري.
يمكننا التساؤل اليوم هل السينما في مفترق الطرق بين الحكاية الشفوية والبرمجة ؟
منذ نشأتها، كانت السينما امتدادًا طبيعيًا لفن الحكاية. وفي السياق الإفريقي، استمدت الأفلام قوتها الأولى من الراوي أو الحكواتي (Le Griot)، الذي كان ينقل التاريخ والذاكرة الجماعية بلغة شفهية حية. أما اليوم، فإن السينما نفسها تجد نفسها أمام “حكواتي” جديد: الخوارزمية، التي تكتب وتمنتج وتوصي، بل وتقترح نهاية الفيلم بناءً على نماذج حسابية.
الذكاء الاصطناعي، إذن، لا يُنظر إليه كأداة تقنية فقط، بل كمنظومة سردية بديلة، قد تغيّر جذريًا معنى “الإبداع”، و”الملكية”، و”التمثيل”.
يمكننا التساؤل ايظا هل من أسئلة اليوم تطرحها الخوارزميات على السينما الإفريقية ؟
في السياق الإفريقي، حيث لا تزال الكثير من الصناعات السينمائية تكافح من أجل الموارد والبنيات التحتية، يُطرح سؤال: هل تمثل أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة لتحرير الإبداع من قيود الميزانيات؟ أم أنها تهدد بفرض نماذج موحدة رتيبة تستنسخ رؤى غربية؟
من جهة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتيح لصناع الأفلام في القارة أدوات متقدمة في كتابة السيناريو، والترجمة الفورية، وتلوين الأرشيف، والمونتاج الذكي. لكن من جهة أخرى، قد تفرض الخوارزميات – التي تُغذى غالباً ببيانات من خارج السياق الإفريقي – نوعاً من الاستلاب الثقافي الناعم، حيث تُنتَج أفلام إفريقية بعيون غير إفريقية.
بين التمكين والتجريد:
سؤال أخر كيف تتفاعل السينما مع الذكاء الاصطناعي؟
التحولات التكنولوجية تضع السينمائيين أمام ثنائية صعبة:
- إما التمكين الرقمي الذي يمنح أدوات جديدة للرؤية والتجريب والإنتاج
- أو التجريد الرمزي من خصوصيات اللغة والسرد، حين تتحول القصص إلى منتجات خاضعة لخوارزميات التقييم والتسويق.
السينما الإفريقية، التي نشأت من رحم المجتمعات الشفوية والمهمشة، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى طرح خطاب نقدي تجاه الذكاء الاصطناعي، لا بالرفض أو القبول التام، بل بالتفاعل الخلاق معه.
هل يمكننا الحديث عن ذكاء سينمائي إفريقي ؟
ما يحتاجه المشهد السينمائي الإفريقي ليس فقط أدوات AI جاهزة، بل مقاربات جديدة تؤطر العلاقة بين التكنولوجي والرمزي، بين الكود الرقمي والذاكرة الثقافية، بين الشكل السردي والبعد الإنساني. وهنا تكمن أهمية مثل هذه المهرجانات، التي تفتح النقاش وتثير الأسئلة الجوهرية حول:
- كيف نحافظ على الهوية السردية الإفريقية في زمن التعلّم الآلي؟
- من يملك القرار الإبداعي عندما تكتب الخوارزميات القصص؟
- كيف يمكن للسينما أن تُطوّع التكنولوجيا لخدمة التعدد الثقافي، لا لتهميشه؟
سؤال هل السينما تتفاوض مع الزمن ؟
الانتقال من الحكواتي إلى الخوارزمية ليس قطيعة بقدر ما هو تفاوض مع الزمن. والحكمة الإفريقية لطالما كانت قادرة على التكيّف دون فقدان روحها. ويبقى التحدي الأكبر أمام السينمائي الإفريقي هو: كيف نروي قصصنا في عصر تُروى فيه القصص آليًا؟
هذا ما يجعل الدورة 25 من مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة لحظة تأمل ضرورية وفاصلة وحاسمة، وفرصة لإعادة التفكير في معنى “الفن” في عصر “الذهن الاصطناعي”. المركب من أفكارنا كلنا.



