الولاية الرابعة للشكر تفضح أزمة التداول واحتكار الزعامة في الأحزاب المغربية

يناير.كوم
أثار انتخاب إدريس لشكر لولاية رابعة على رأس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، ليس فقط بسبب الخرق غير المسبوق للمنطق الديمقراطي الداخلي، ولكن أيضاً لما يعكسه هذا الحدث من أزمة أعمق تتعلق ببنية الأحزاب السياسية المغربية وطبيعة ممارستها للسلطة والتنظيم، وهذا طرح أكثر من علامة استفهام حول منطق “الزعامة الأبدية” الذي بدأ يتسلل إلى عدد من التنظيمات الحزبية.
ديمقراطية داخلية شكلية
رغم أن حزب الاتحاد الاشتراكي كان يُعتبر تاريخياً مدرسة في الفكر الديمقراطي والنضال السياسي، إلا أن مسار مؤتمراته الأخيرة كشف عن تحول جوهري في بنيته التنظيمية، حيث باتت القيادة تتحكم في مفاصل الحزب وتعيد إنتاج نفسها بطريقة تُضعف التداول الحقيقي على المسؤولية، فإعادة انتخاب إدريس لشكر للمرة الرابعة، بعد ولايات مثيرة للجدل، يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى احترام مبدأ التداول، ومدى قدرة الحزب على تجديد نخبته القيادية.
أزمة النخب وتكلس التنظيمات
ما وقع داخل الاتحاد الاشتراكي لا يمكن فصله عن ظاهرة عامة تعرفها عدة أحزاب مغربية، حيث يطول عمر الزعامات السياسية إلى حدّ يُفرغ المؤسسات الحزبية من طابعها الديمقراطي، ويجعلها رهينة الولاءات والمصالح الشخصية بدل البرامج والأفكار، هذا التمركز المفرط للسلطة داخل الحزب يؤدي إلى تهميش الطاقات الجديدة، ويضعف الثقة لدى المناضلين والمتعاطفين، كما يحدّ من جاذبية العمل الحزبي لدى الشباب الذين فقدوا الأمل في إمكانية التغيير من الداخل.
من النضال إلى البيروقراطية
تحوّل الاتحاد الاشتراكي، الذي كان رمزاً للنضال ضد السلطوية، إلى حزبٍ يطغى عليه الطابع البيروقراطي، حيث أضحت القيادة تركز على تدبير التوازنات الداخلية أكثر من تطوير الرؤية الفكرية أو الموقف السياسي، فالمؤتمرات الأخيرة بدت أقرب إلى إجراءات شكلية لتزكية الأمر الواقع، بدل أن تكون لحظة محاسبة وتجديد.
تساؤلات حول مستقبل العمل الحزبي
إعادة انتخاب لشكر ليست حدثاً يخص الاتحاد الاشتراكي وحده، بل هي مؤشر على أزمة بنيوية تمسّ المشهد الحزبي المغربي ككل، حيث تتراجع الممارسة الديمقراطية الداخلية لصالح منطق التحكم والتوريث السياسي، ومع ضعف المساءلة والمنافسة الفكرية، تصبح الأحزاب مجرد أدوات انتخابية مرتبطة بالأشخاص لا بالمشاريع، مما ينعكس سلباً على الحياة السياسية والثقة في المؤسسات.
أزمة النخب وتكلس التنظيمات
ما حدث داخل الاتحاد ليس استثناءً، بل يندرج ضمن ظاهرة عامة تطبع الحياة الحزبية في المغرب، حيث تطول أعمار الزعامات، وتُغيب آليات المحاسبة والتجديد، ليصبح الحزب مرتهناً لقرارات فردية أكثر مما هو محكوم بمؤسسات منتخبة. هذه الحالة تُفرغ الأحزاب من روحها الديمقراطية، وتضعف ثقة المواطنين في جدوى المشاركة السياسية.
انعكاسات على المشهد الحزبي الوطني
إعادة انتخاب لشكر تكشف أزمة أعمق يعيشها المشهد الحزبي المغربي، حيث تتراجع روح المنافسة الفكرية أمام منطق التحكم في الأجهزة، وهذا الوضع يساهم في ضعف الأحزاب وفقدانها لمصداقيتها، ما يفتح الباب أمام العزوف الانتخابي وتراجع ثقة الشباب في السياسة كوسيلة للتغيير.
نحو أي مستقبل يسير الاتحاد الاشتراكي؟
تطرح الولاية الرابعة لإدريس لشكر سؤال المستقبل بحدة داخل البيت الاتحادي، فالحزب الذي كان يوماً صوت اليسار المغربي وحاضن النخب التقدمية، يجد نفسه اليوم أمام تحدي استعادة ثقة مناضليه وناخبيه، في ظل تآكل رصيده الانتخابي وتراجع حضوره في المشهد السياسي، وإذا استمر منطق الزعامة الفردية وهيمنة الأجهزة على القرار، فإن الحزب مهدد بفقدان ما تبقى له من وزن سياسي ورمزي.
غير أن الأمل لا يزال قائماً إذا ما بادر الاتحاد الاشتراكي إلى مراجعة عميقة لمساره التنظيمي والفكري، وفتح المجال أمام تجديد النخب وضخ دماء جديدة قادرة على إعادة الحزب إلى جذوره النضالية الأصيلة، فالتاريخ علمنا أن الأحزاب التي لا تتجدد تذبل، وأن الديمقراطية الداخلية ليست ترفاً تنظيمياً، بل شرطاً لبقاء أي حزب حي وفاعل في المشهد الوطني.
إن استمرار نفس القيادات لعقود داخل الأحزاب يعمّق الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع، ويضعف مصداقية الخطاب الحزبي حول الديمقراطية والتجديد، فالممارسة الديمقراطية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة التنظيمات على تجسيدها داخل هياكلها، وإذا كانت الأحزاب عاجزة عن تطبيقها داخلياً، فكيف يمكنها أن تدافع عنها في تدبير الشأن العام؟



