ثقافة وفن

“أوتيستو” لجيروم كوهن أوليفار: حين يتحول الاختلاف إلى لغة للحرية

  • “أوتيستو” لجيروم كوهن أوليفار: حين يتحول الاختلاف إلى لغة للحرية

بقلم: سليم لواحي

يأتي فيلم “أوتيستو” (Autisto) للمخرج المغربي الفرنسي جيروم كوهن أوليفار (Jérôme Cohen-Olivar) ضمن تجربة سينمائية مغربية متفردة تمزج بين الحس الإنساني العميق والرؤية الفلسفية للأسئلة الوجودية الكبرى: الهوية، الآخر، والاختلاف. العمل لا يكتفي بسرد قصة تقليدية، بل يذهب بعيداً في الغوص داخل عالم الهشاشة الإنسانية، عبر شخصية طفل مصاب بالتوحد، يصبح مرآة لعالم مضطرب، فاقد للإنصات والجمال.

ثيمة التوحد كمرآة للمجتمع

اختيار جيروم كوهن أوليفار لموضوع التوحد لم يكن عارضاً. فالفيلم لا يقدم التوحد كمرض أو عيب، بل كـ زاوية نظر مختلفة للعالم. البطل يعيش في عالم خاص، تسكنه الأصوات والألوان والإيقاعات التي لا يسمعها أحد سواه. ومن خلال عزلته، يعكس المخرج عزلة الإنسان الحديث في مجتمع يسوده الصخب واللامبالاة.

الكاميرا هنا ليست أداة تسجيل، بل أداة مشاركة؛ فهي ترافق نظرة الطفل، تحاول أن ترى ما يراه، وتسمع ما يسمعه، مما يجعل المتلقي يدخل تدريجياً في عالم “الأوتيستو”، ويتحول من متفرج إلى مشارك وجداني.

لغة الصورة او شاعرية البساطة

يعتمد كوهن أوليفار في “أوتيستو” على جمالية الصورة الصامتة، على النور والظل، وعلى الإيقاع البطيء الذي يتيح للمتفرج التأمل.

لا مكان للثرثرة أو الخطابات التوضيحية؛ فكل لقطة مشحونة بدلالات رمزية — الباب المغلق، النافذة، البحر، الصمت — وهي رموز متكررة في سينما كوهن أوليفار التي تبحث دوماً عن الممرات بين العزلة والحرية

العمل يميل إلى السينما الشعرية (Poetic Cinema)، حيث العاطفة هي التي تقود السرد، لا المنطق التقليدي للحبكة.

رسالة إنسانية عالمية

بعيداً عن الحدود الجغرافية، يقدم الفيلم نداءً للقبول والتسامح. فالمخرج يضعنا أمام تساؤل جوهري:

هل المختلف هو المريض، أم أننا نحن المرضى بعجزنا عن الفهم؟

من خلال الطفل المتوحد، يعيد كوهن أوليفار تعريف مفهوم الإنسانية، ليقول:

> “الاختلاف ليس خللاً، بل شكل آخر من الكمال.”

سياق تجربة المخرج

جيروم كوهن أوليفار مخرج معروف بقدرته على عبور الثقافات. في أفلامه السابقة مثل Kandisha وThe Midnight Orchestra، تعامل مع مواضيع الهوية المغربية اليهودية، الذاكرة، والعودة إلى الأصل. أما في “أوتيستو”، فهو يذهب إلى أعمق من ذلك: إلى داخل الإنسان نفسه.

الفيلم يعكس مرحلة نضج فني وفكري، حيث ينتقل المخرج من الحديث عن “الانتماء” إلى مساءلة “الوعي الإنساني”.

“أوتيستو” ليس فيلماً عن التوحد، بل فيلم عن الإنسانية في زمن الاغتراب.

بجمالياته البصرية، وموسيقاه الشفافة، وصدق أدائه، يكرّس كوهن أوليفار نفسه كصوت مختلف في السينما المغربية، صوت لا يخشى الغوص في المسكوت عنه: هشاشتنا، مخاوفنا، وصمتنا الجماعي.

إنه فيلم يدعو إلى إعادة الإصغاء للعالم، إلى اكتشاف أن وراء كل “اختلاف” احتمالاً للدهشة والجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى