
يناير.كوم
في سياق البحث في البنية الاجتماعية لمدينة الجزائر خلال العهد العثماني، يبرز مصطلح الكراغلة بوصفه أحد المفاهيم الدالة على تشكّل فئة اجتماعية خاصة، نتجت عن تداخل العنصر العسكري العثماني بالمحيط المحلي. وتُعدّ الباحثة الجزائرية الدكتورة عائشة غطاس من بين من اشتغلوا على هذا المفهوم في إطار دراستها للمجتمع الحضري، حيث تناولت أصل المصطلح ودلالاته التاريخية في كتابها «الحِرَف والحِرفيّون بمدينة الجزائر 1700–1830».
يرتبط أصل مصطلح الكراغلة، أو كرغولي حسب الصيغة المتداولة في بعض الكتابات الأكاديمية، بزواج أفراد الجيش التركي بالنساء المحليات، سواء كنّ من سكان المدن أو من البلاد المجاورة. وقد ظهر هذا العنصر الاجتماعي لأول مرة في المدن التي تمركزت بها الحاميات التركية، وعلى رأسها مدينة الجزائر، إضافة إلى تلمسان، مستغانم، قلعة بني راشد، مازونة، مليانة، المدية، القلعة، بسكرة، قسنطينة وعنابة. ويُستفاد من المصادر أن تشكّل هذه الفئة لم يكن آنياً، بل تدرّج مع استقرار الوجود العثماني وتكاثف العلاقات الاجتماعية بين العسكريين والسكان المحليين.
وتشير الباحثة إلى أن ظهور الكراغلة كفئة متميزة ومستقلة نسبياً كان متأخراً، إذ تعود أول إشارة رسمية لهم إلى سنة 1596م. ومنذ تلك المرحلة، بدأت تتبلور ملامح وضعهم الاجتماعي داخل المجتمع الجزائري، حيث وجدوا أنفسهم في موقع وسط بين الأتراك الوافدين والسكان الأصليين، وهو ما أفرز توتراً في العلاقات الأسرية والاجتماعية، خاصة مع تزايد أعداد الأبناء المنحدرين من هذا التزاوج.
وقد انعكس هذا الوضع على السياسة الإدارية والعسكرية للسلطة العثمانية، التي تعاملت بحذر مع الكراغلة، فتم إقصاؤهم غالباً من المناصب السامية في الجيش والإدارة، كآلية للحد من نفوذهم. ولم يُفتح أمامهم سوى مجالات محدودة، أبرزها الانخراط في الديوان أو في سلك الأوجاق، إضافة إلى النشاط البحري، ولا سيما الغزو البحري، الذي شكّل متنفساً اجتماعياً واقتصادياً لهم.
ومع أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، دخلت علاقة الكراغلة بالسلطة مرحلة من التوتر والاصطدام، بلغت ذروتها في أحداث سنتي 1628 و1633 عقب اضطرابات تلمسان ووهران. غير أن هذا الوضع عرف تحسناً نسبياً خلال القرن الثامن عشر، حيث أُسندت إلى بعضهم مناصب على مستوى الإدارة المحلية، ووصل عدد منهم إلى منصب الباي، كما هو الحال في بايلك الغرب وبايلك التيطري، وهو ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في نظرة السلطة إليهم.
وعليه، فإن مصطلح الكراغلة لا يقتصر على دلالة إثنية أو لغوية، بل يعكس مساراً تاريخياً معقداً لفئة اجتماعية تشكّلت في قلب التجربة العثمانية بالجزائر، وتفاعلت مع التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية للمدينة. وهو ما يجعل من دراسته مدخلاً أساسياً لفهم دينامية المجتمع الحضري الجزائري خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.




