سياسةقضايا وحوادث

المحكمة الدستورية تحسم دستورية تنظيم المجلس الوطني للصحافة

يناير.كوم
في قرار دستوري بالغ الأهمية، وضعت المحكمة الدستورية حدًّا للنقاش القانوني والسياسي الذي رافق مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مؤكدة من خلاله أن تنظيم قطاع الصحافة لا يمكن أن ينفصل عن الضمانات الدستورية المؤطرة لحرية التعبير، والديمقراطية الداخلية، والتعددية، ومبادئ المحاكمة العادلة.
وجاء هذا القرار، الصادر بتاريخ 22 يناير 2026، بناءً على إحالة تقدم بها ستة وتسعون عضوًا بمجلس النواب، طبقًا للفصل 132 من الدستور، طعنوا من خلالها في دستورية مجموعة من مواد القانون المذكور. وقد أكدت المحكمة في مستهل تعليلها سلامة الإحالة من حيث الشكل واحترامها للمسطرة الدستورية، قبل أن تنتقل إلى جوهر الطعن وتباشر رقابة دقيقة على المقتضيات المثارة، سواء تلك التي وردت في رسالة الإحالة أو التي أثارتها المحكمة تلقائيًا في إطار صلاحياتها الدستورية .
ومن حيث الموضوع، انتهجت المحكمة مقاربة متوازنة، فلم تتجه نحو إلغاء شامل للقانون، بل أقرت بدستورية عدد من مواده، مقابل التصريح بعدم مطابقة مواد أخرى للدستور. فقد اعتبرت أن بعض المقتضيات، لاسيما المتعلقة بآليات الانتداب، وتحديد الجرائم التأديبية، وضمانات الدفاع، وإبداء الرأي في مشاريع القوانين، تندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرّع ولا تمس جوهر الحقوق والحريات الدستورية، ما دام الدستور لم يقيد المشرّع بشكل حصري في هذا المجال.
في المقابل، سجلت المحكمة ملاحظات جوهرية بخصوص مواد رأت أنها تخل بمبادئ دستورية أساسية، وفي مقدمتها مبدأ التوازن والتساوي في تمثيل الصحافيين والناشرين داخل المجلس الوطني للصحافة. واعتبرت أن ترجيح كفة فئة مهنية على أخرى داخل هيئة يُفترض أن تقوم على التنظيم الذاتي الديمقراطي، من شأنه أن يفرغ هذا المبدأ من محتواه، ويفتح المجال أمام هيمنة منطق النفوذ الاقتصادي بدل الإرادة المهنية المشتركة. كما شددت على أن التعددية النقابية والمهنية مبدأ دستوري لا يجوز الالتفاف عليه عبر نصوص تشريعية تفضي عمليًا إلى احتكار التمثيلية من طرف منظمة واحدة.
ولم تقف المحكمة عند حدود التمثيلية، بل انتبهت أيضا إلى ضمانات الحياد والاستقلال، خاصة في ما يتعلق بتشكيلة الهيئات التأديبية داخل المجلس، معتبرة أن الجمع بين مهام التقرير الابتدائي والبت الاستئنافي في شخص واحد أو هيئة واحدة يتعارض مع متطلبات المحاكمة العادلة، ويقوض الثقة في آليات التأديب الذاتي للمهنة. كما نبهت إلى ضرورة الانسجام الداخلي بين مواد القانون، ورفضت فرض نتائج تنظيمية أو انتخابية دون توفير الشروط القانونية والموضوعية الكفيلة بتحقيقها عمليا.
ويعكس هذا القرار توجهًا واضحًا للمحكمة الدستورية نحو حماية التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة، لا باعتباره امتيازًا مهنيًا مغلقًا، بل كآلية دستورية مشروطة باحترام الديمقراطية، والتعددية، والتوازن، والحياد. كما يوجه رسالة قوية إلى المشرّع مفادها أن إصلاح المنظومة الإعلامية لا يمكن أن يتم بمنطق السرعة أو الحسابات الظرفية، بل يقتضي تشريعات دقيقة، منسجمة، وقابلة للتطبيق، وتحترم روح الدستور قبل نصه.
وبذلك، يشكل قرار المحكمة الدستورية بخصوص المجلس الوطني للصحافة محطة أساسية في مسار تقنين الصحافة بالمغرب، ويؤسس لاجتهاد دستوري من شأنه أن يؤطر مستقبل التشريع الإعلامي، ويعيد الاعتبار لدور القضاء الدستوري كحارس للتوازن بين حرية الصحافة ومتطلبات التنظيم الديمقراطي للمهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى