رياضة

الكاف .. أرقام قياسية لتمرير قرارات باطلة

يناير.كوم – الرباط
في مشهد يختلط فيه الاحتفال الرياضي بالحسابات السياسية، جرى التمهيد لما سُمّي بـ“القرار” عبر بوابة المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، مستندا إلى أرقام رقمية غير مسبوقة: 6.1 مليار ظهور، 5.2 مليار مشاهدة فيديو، 285 مليون تفاعل، و8.5 مليون متابع جديد. أرقام كفيلة، من حيث الظاهر، بإغلاق أي نقاش حول نجاح التنظيم المغربي والإشعاع الإعلامي الذي حققته المملكة قارّيا ودوليا.
لكن خلف هذا الزخم الرقمي، يطفو سؤال جوهري: هل تحوّلت الأرقام إلى أداة للتغطية والتمرير، بدل أن تكون تتويجا طبيعيا لنجاح رياضي وتنظيمي؟
ما جرى لم يكن مجرد احتفاء بحدث كروي ناجح، بل بناء سردية متكاملة تُمهِّد لقرارات مثيرة للجدل، بل غير قانونية في جوهرها، عبر خلق مناخ عام يُصعّب الاعتراض ويُجرّم التشكيك. فحين تُغرق الساحة الإعلامية بأرقام ضخمة، يُراد منها القول إن “النجاح الشامل” يبرّر كل شيء، حتى خرق القوانين أو الالتفاف على المساطر.
الأخطر أن هذا التمهيد لم يعتمد على الوقائع القانونية ولا على نصوص التنظيم، بل على ضغط رمزي وإعلامي: من يعارض القرار يبدو وكأنه يعارض نجاح إفريقيا، أو يقلل من قيمة المغرب، أو يقف ضد “إرادة الجماهير”. وهنا تكمن المعضلة؛ الرياضة تُستعمل كدرع سياسي، والأرقام الرقمية تتحول إلى وسيلة ابتزاز معنوي.
إن النجاح التنظيمي للمغرب حقيقة لا ينكرها عاقل، والأرقام المسجلة شهادة دولية على قدرة المملكة على احتضان أكبر التظاهرات. لكن تحويل هذا النجاح إلى غطاء لتمرير قرارات لا تستند إلى الشرعية القانونية هو انزلاق خطير، يسيء قبل كل شيء إلى صورة المؤسسات الرياضية القارية، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم.
الرياضة، مهما بلغت شعبيتها، لا تعلو على القانون. والأرقام، مهما كانت ضخمة، لا تُحوِّل الخطأ إلى صواب، ولا تمنح الشرعية لما هو باطل. فالتاريخ لا يُكتب بعدد المشاهدات، بل بعدالة القرارات ونزاهة المساطر.
وإذا كان كأس أمم إفريقيا 2025 قد أثبت أن المغرب قادر على صنع الفرجة والتنظيم والإشعاع، فإن المطلوب اليوم هو أن تثبت الهيئات المعنية أنها قادرة أيضًا على احترام القانون، لا على الالتفاف عليه تحت تصفيق الأرقام وضجيج “الترند”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى