
سليم لواحي
في كل دورة، تعود التظاهرة الخاصة بالفروسية المنظمة في خريبكة محاطةً بصورٍ أنيقة، ومراسيم رسمية، وخطابٍ تواصليّ مؤسساتي. وعلى المستوى النظري، يُفترض أن يساهم هذا الحدث في إشعاع المدينة، وتشجيع الرياضة، وخلق دينامية محلية. غير أنّ أصواتًا كثيرة على أرض الواقع باتت تطرح سؤالًا جوهريًا: ما الكلفة الحقيقية لهذا الموعد؟ وما الذي يقدّمه فعليًا لساكنة خريبكة؟
بالنسبة إلى عدد من الفاعلين الجمعويين وشباب المدينة، لم يعد التفاوت بين الخطاب والواقع خافيًا. فمن جهة، يبدو أنّ اعتمادات مالية مهمة تُرصد سنويًا لهذه التظاهرة ذات الطابع الاستعراضي. ومن جهة أخرى، لا تزال عدة رياضات في خريبكة تعاني من نقص واضح في البنيات التحتية، وضعف في التأطير، وغيابٍ للدعم المستدام، وافتقارٍ إلى الفضاءات الملائمة لفائدة الأطفال والناشئة. ومن ثمّ، لم تعد المسألة رياضية فحسب، بل أضحت ذات أبعاد اجتماعية ومجالية وسياسية.
جوهر الانتقاد يتمثل في غياب أثر ملموس وقابل للقياس على حياة السكان المحليين. فكل تظاهرة كبرى يمكن أن تكون مشروعة ومقبولة إذا خلّفت وراءها تجهيزات نافعة، أو برامج تكوين، أو فرص شغل، أو دعمًا حقيقيًا للأندية، أو إسهامًا فعليًا في تعميم الممارسة الرياضية. غير أنّ الانتقادات المتداولة محليًا ترى أنّ هذه التظاهرة تبدو أقرب إلى عمليةٍ ذات طابع رمزي واستعراضي منها إلى استثمارٍ تنمويٍّ منظم يخدم خريبكة على المدى البعيد.
هذا الانطباع يفاقم شعورًا أعمق لدى جزء من الساكنة، مفاده أنّ مدينة خريبكة، التي ساهمت طويلًا في الثروة الاقتصادية الوطنية بفضل الفوسفاط، لا تنال نصيبًا عادلًا من تلك الثروة في مجالات التنمية الرياضية والثقافية والاجتماعية. وحين يُنظر إلى ملايين تُصرف على المظاهر في وقتٍ لا تزال فيه الحاجات الأساسية قائمة، فإنّ الإحساس بالإحباط يصبح أمرًا مفهومًا ومشروعًا.
كما تتجه الانتقادات أيضًا نحو أسلوب الحكامة، الذي يراه كثيرون غير واضح بما يكفي. من يتخذ القرار؟ وعلى أي أساس تُوزَّع الميزانيات؟ ومن هي الجهات المستفيدة من التنظيم؟ وما الحصيلة المالية الدقيقة لكل دورة؟ إنّ غياب أجوبة علنية، دقيقة، ومُتاحة للرأي العام، يفتح الباب أمام الشكوك ويغذي الإحساس بغياب الشفافية. وعندما تتراجع الشفافية، تتراجع معها الثقة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في رياضة الفروسية بوصفها ممارسة رياضية لها مكانتها واحترامها. فكل رياضة تستحق التقدير. لكن لا ينبغي أن توضع أي رياضة خارج دائرة النقاش العمومي متى كانت تعبّئ موارد مالية كبيرة داخل مدينة لا تزال أولويات كثيرة فيها معلّقة. فالمسألة الحقيقية هي مسألة عدالة مجالية: إذ لا يمكن لأي تظاهرة تُموَّل باسم إشعاع المدينة أن تُعفى من واجب إثبات جدواها بالنسبة إلى هذه المدينة نفسها.
إنّ خريبكة لا تحتاج إلى تظاهرات عابرة تنتهي بانتهاء العروض والصور الرسمية، بل تحتاج إلى سياسة رياضية منصفة، حاضرة في الأحياء، منفتحة على الشباب، ومبنية على خدمة الصالح العام. وإذا كان لهذا الموعد الفروسي أن يستمر، فلا بد أن يقترن بشفافية مالية كاملة، وبحصيلة سنوية منشورة للعموم، وبالتزامات واضحة لفائدة الأطفال، والأندية، والبنيات التحتية المحلية.
وإلا فسيظل، في نظر كثيرين، مجرد رمزٍ لإنفاقٍ استعراضيّ منفصل عن واقع المدينة: كثير من الصورة، قليل من الأثر؛ كثير من الخطاب، قليل من الفائدة؛ وكثير من المال المصروف، مقابل عائدٍ محدود على خريبكة .



