بحوث جامعية

المحرر العرفي الإلكتروني بين تحقيق الخطوط والزور الفرعي

ذ. نجيب مرزاق، محام بهيئة الدار البيضاء

مقدمة:
يعتبر هذا الموضوع من بين المواضيع التي أثارت انتباهي وأنا في صدد البحث والغوص في الموضوعات المتعلقة بالمعاملات الإلكترونية، حيث لم تحظى بالاهتمام الكافي من قبل الباحثين في هذا المجال وكذا من طرف المشرع المغربي، الأمر الذي دفع بنا إلى مناقشة جوانبه في هذا البحث المتواضع.
فبالرجوع لقانون الالتزامات والعقود المغربي يتبين أن المشرع لم ينص على كيفية الطعن في صحة المحررات الإلكترونية، عكس بعض التشريعات المقارنة التي أشارت إليها كالمشرع المصري الذي نص في المادة 17 من قانون التوقيع الإلكتروني المصري رقم 15 لسنة 2004م على أنه: “تسري في شأن إثبات صحة المحررات الإلكترونية الرسمية والعرفية والتوقيع الإلكتروني والكتابة الإلكترونية، فيما لم يرد في شأنه نص في هذا القانون أو في لائحته التنفيذية الأحكام المنصوص عليها في قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية”.
ويقصد بالطعن في صحة المحررات بوجه عام التحقق من صحة أو عدم صحة المحرر المقدم للاستدلال به، بوصفه دليلا في الإثبات سواء أكان هذا المحرر رسميا أم عرفيا، فإذا كان الخصم قد أقر بصحة المحرر المقدم ضده، فيجب على القاضي في هذه الحالة أن يستخلص الحكم مما يستنتجه من هذا المحرر، أما إذا قامت منازعة في صحة هذه المحررات وجب عند ذلك اتباع الإجراءات التي وضعها قانون المسطرة المدنية في هذه الحالة لإثبات صحة المحررات.
أما المراد بالمحررات العرفیة فإن أغلب التشریعات لم تضع تعریفا یحدد معناها، مما جعل الفقه یتولى ھذه المھمة، ومن تم عرف بعض الفقه المحرر العرفي بقوله: “الأوراق العرفیة ھي الأوراق غیر الرسمیة، أي الأوراق التي تصدر من أصحاب الشأن دون أن یتدخل موظف عام في تحریرھا، أي المحررات التي تتم بمعزل عن الموظف العام، أو ھي التي تصدر من ذوي الشأن بوصفھم أشخاصا عادیین”.
وعلى غرار المحررات العرفیة التقلیدیة، فإن غالبیة التشریعات لم تضع تعریفا للمحرر الإلكتروني العرفي، بل إن جمیع التعاریف وردت بخصوص المحرر الإلكتروني بصفة عامة دون تمییز بین المحرر الإلكتروني الرسمي والمحرر الإلكتروني العرفي.
ومن تم عرف بعض الفقه المحرر الإلكتروني العرفي بأنه: “كل محرر إلكتروني یتمتع بذات مواصفات المحرر الورقي التقلیدي من حیث توفیر الثقة في أن التوقیع منسوب إلى الموقع وأنه تم وضعه على الورقة المحررة إلكترونیا بما یحقق ارتباط وثیقا بینھما ویدل على قبوله بما ورد فیھا”.
وتنقسم المحررات العرفیة إلى نوعین، محررات عرفیة معدة للإثبات ومحررات عرفیة غیر معدة للإثبات والتي غالبا ما تكون غیر موقعة، ولكن یمنحھا القانون حجیة في الإثبات في حدود معینة، تختلف قوة وضعفا بحسب ما یتوافر فیھا من عناصر الإثبات، وعلى العكس من ذلك فإن القوانین الحدیثة، حسب أحد الباحثین لم تقسم المحررات الإلكترونیة العرفیة إلى قسمین كما ھو حال المحررات الورقیة العرفیة، بل اكتفت ھذه القوانین بتنظیم حجیة المحرر الإلكتروني العرفي المعد للإثبات، وھو الذي یتضمن التوقیع الإلكتروني لمن ھو حجة عليه والذي یقابل نظیره المحرر الورقي العرفي المعد للإثبات، دون أن یتطرقوا إلى مدى حجیة المحرر الإلكتروني العرفي غیر المعد للإثبات الذي لا یتضمن التوقیع الإلكتروني لمن حرره والذي یقابل بدوره المحرر الورقي العرفي غیر المعد للإثبات.
إذا كانت الكثرة الغالبة من المحررات العرفية الورقية هي محررات معدة مقدما للإثبات، فهي التي تشكل محررات عرفية بالمعنى الدقيق، دون المحررات العرفية غير المعدة للإثبات، التي لا يطلق عليها هذا التعبير إلا مجازا، حيث لم يجعل لها المشرع حجية في الإثبات إلا لضرورات خاصة. ونجد هذا الأمر أيضا في مجال الإثبات عن طريق المحررات العرفية الإلكترونية، التي تعد في الغالب لإثبات التصرفات القانونية المبرمة عبر الأنترنت، وهو في اعتقادنا أمر تستلزمه طبيعة تلك التصرفات اللامادية، وما يرتبط بها من جوانب تقنية تتطلب ضرورة إعداد دليل مسبق لما قد يثور من منازعات.
وتأسيسا عليه، فإن الإشكالية الرئيسية التي يمكن بسطها في هذا المقام هي ما مدى إمكانية الطعن في صحة المحررات العرفية الإلكترونية ؟
وعليه، فإن ملامسة الإشكالية المطروحة تستلزم منا مناقشة شروط صحة المحررات العرفية الإلكترونية المعدة للإثبات في المطلب الأول، ثم نأتي للحديث عن إمكانية الطعن في صحتها في المطلب الثاني.

المطلب الأول: شروط صحة المحرر العرفي الإلكتروني
منحت أغلب التشریعات حجیة للمحرر الإلكتروني العرفي على غرار المحررالورقي العرفي في الإثبات، وذلك وفق ضوابط وشروط تنسجم والطبیعة اللامادیة لھذا النوع من المحررات.
وھكذا اشترط المشرع المغربي -على غرار باقي التشريعات الأخرى- لصحة المحرر الإلكتروني العرفي ضرورة أن یستوفي الشروط المنصوص علیھا في الفصلین 417 -1 و 416-2 من ظ.ل.ع وھي كالآتي:
الفقرة الأولى: الكتابة الإلكترونية
هذا الشرط الأساسي ينص على ضرورة أن يكون الدليل مدونا كتابة، وهو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال الإحاطة بمفهوم الكتابة، وارتباطها بالمحرر، وما يشكله من عائق للإقرار بحجية المحرر الالكتروني، مع قراءة جديدة لمفهوم الكتابة وارتباطها بهذا المحرر.
يقصد بالكتابة اللازمة للإثبات حسب الفقه، المستند الأصلي. فهذا المستند قد يكون ورقة رسمية، وقد يكون ورقة عرفية، وينحصر الفارق الرئيسي – من حيث الشكل- بين الورقة الرسمية والورقة العرفية في أن الأولى تصدر عن موظف عام وشخص مكلف بخدمة عامة. وأن يكون مختصا في إنشاءها من حيث الموضوع والمكان، أما الأوراق العرفية فهي التي لا تتوافر فيها مقومات الورقة الرسمية من حيث أنها لا تصدر عن موظف عام.
أما فيما عدا هذا الفارق الشكلي، فإن الدليل الكتابي رسميا كان أو عرفيا يجب – حتى يعتد به قانونا- أن يتضمن كتابة مثبتة لتصرف قانوني، أو أن يكون موقعا من الشخص المنسوب إليه الدليل، فعنصرا الدليل الكتابي إذن هما: الكتابة من جهة والتوقيع من جهة أخرى.
وعليه، وحتى يمكن اعتبار الوثيقة الناتجة عن معاملة إلكترونية دليلا كتابيا فإن ذلك يستلزم مبدئيا تركيبة للعناصر السالفة، يظهر من الواقع الحالي للقانون أن تلك الوثيقة لا تستجيب لها ، لذا فإننا سنعرض للمفاهيم الموضوعية للكتابة والتوقيع لنرى مدى استيفاء الوثيقة المعلوماتية لها.
لقد جرى العرف واستقر العمل على تدوين المحررات الرسمية والعرفية على الأوراق وبالحروف الخاصة بلغة المتعاقدين أو اللغة التي يعتمدانها لتحرير العقد، فإن اللجوء إلى تدوين المحررات على وسائط إلكترونية من خلال ومضات كهربائية وتحويلها على اللغة التي يفهمها الحاسب الآلي يثير التساؤل عن مدى اعتبار المحرر الإلكتروني من قبيل الكتابة.
فمن الجدير بالتأكيد أنه ليس هناك في القانون أو في اللغة ما يلزم بالاعتقاد في أن الكتابة لا تكون إلا على الورق، وتأكد هذا المعنى في مرجع LAMY في قانون المعلوماتية حيث أشار إلى أن المشرع لم يشر إلى دعامة من نوعية معينة، هذا وتأكيدا لما سبق فإن الكثير من الاتفاقيات الدولية تتبنى هذا الرأي ومنها على سبيل المثال، اتفاقية الأمم المتحدة الموقعة فيها بشأن النقل الدولي للبضائع لسنة 1981 التي تنص المادة 13 منها على أنه فيما يخص أغراض هذه الاتفاقية ينصرف مصطلح الكتابة أيضا على المراسلات الموجهة في شكل برقية أو تلكس ، لذلك يتضح أن الكتابة لا ينظر إليها من حيث ارتباطها بالدعامة أو الوسيط المستخدم في التدوين على دعامة مادية محددة، بل بوظيفتها في إعداد الدليل على وجود التصرف القانوني وتحديد مضمونها بما يمكن الأطراف من ا لرجوع إليه في حالة نشوب خلاف وقد اتفق الفقه أنه وحتى تقوم الكتابة بهذا الدور فلابد أن يكون الوسيط مقروءا وأن تتصف الكتابة المدونة عليه بالاستمرارية والثبات.
لذلك وحتى يمكن الاحتجاج بمضمون المحرر المكتوب في مواجهة الآخرين فإن المحرر يجب أن يكون مقروءا، وبالتالي يجب أن يكون مدونا بحروفا أو رموز معروفة ومفهومة للشخص الذي يراد الاحتجاج عليه بهذا المحرر، فإذا ما رجعنا إلى المحررات الالكترونية نجد أنه يتم تدوينها على الوسائط بلغة الآلة لا يمكن أن يراها الإنسان بشكل مباشر وإنما لابد من إيصال المعلومات في الحاسب الآلي الذي يتم دعمه ببرامج لها القدرة على ترجمة لغة الآلة إلى اللغة المقروءة للإنسان، وعلى الرغم من ذلك، وبالنظر إلى أنه يضمن قراءة هذه المحررات في جميع الأحوال باستخدام الحاسب الآلي وهو ما يعني استيفاءها للشرط المتعلق بإمكان القراءة والفهم طالما أن اللغة التي تظهر على الشاشة هي لغة مفهومة ومقروءة لأطراف العقد.2
ورغم ذلك فإن بعض مخرجات الحاسب الآلي لا تثير أية صعوبة من هذه الناحية فالبطاقة والشرطة المثقبة، والدعامات الورقية المتصلة، تتضمن دون شك “كتابة” بالمعنى التقليدي في قواعد الإثبات إلا أن هناك في المقابل بعض المضرجات التي تبدو محل شك كالأشرطة الممغنطة، والأسطوانات الممغنطة، والميكروفيلم.
فبالنسبة للميكروفيلم يمكن القول أنه يأخذ قانونا حكم الكتابة التقليدية، فالفارق الوحيد بينهما كما يرى البعض، يكمن في مادة وركيزة الدليل فهي من الورق بالنسبة لكتابة العادية ومن مادة بلاستيكية للميكرو فيلم، أما بالنسبة للأشرطة الممغنطة وما في حكمها، فالأمر لا يبدو بهذه البساطة، فهي تحتوي على معلومات تم تخزينها مباشرة على ذاكرة الحاسب الالكتروني دون أن يكون لها أصل مكتوب ولا يمكن والأمر هكذا الإطلاع عليها إلا من خلال عرضها على شاشة الحاسب، وقد يقال لذلك أنها لا تتضمن كتابة على الإطلاق بل هي أقرب على التسجيلات الصوتية.1
ورغم ذلك، وتأكيدا لما سبق ذكره فإن منظمة المواصفات العالمية ISO، وبخصوص المواصفات الخاصة بالمحررات أكدت أن المحرر هو: ” مجموعة المعلومات والبيانات المدونة على دعامة مادية… يسهل قراءتها عن طريق الإنسان أو باستخدام آلة مخصصة لذلك”.
وكذلك من أجل حسم هذه المسألة فقد أضاف المشرع الفرنسي في شأن الإثبات عن طريق الوسائل الالكترونية نص المادة 1316 من القانون المدني والذي عرف من خلاله الكتابة المستخدمة في الإثبات بأنها: ” كل تتابع للحروف أو الرموز أو الأرقام أو أي إشارات أخرى تدل على المقصود منها ويستطيع المغير أن يفهمها…”
وعليه، فمن ناحية، تعتبر الكتابة الإلكترونية شرطا بديهيا وأساسيا لصحة المحررات العرفية الإلكترونية، والكتابة – كما قدمنا – هي عبارة عن رموز تعبر عن الفكر والقول، وبدون كتابة تتضمن ما يريد ذوو الشأن إثباته في المحرر، لا يمكن أن يكون للمحرر وجود في الحياة القانونية.
وعلى الرغم من ذلك، شكك البعض في ضرورة الكتابة كشرط لصحة المحرر العرفي، مشيرا إلى أن التوقيع وحده يبدو كافيا لصحة المحرر العرفي، بينما لا تعتبر الكتابة شرطا ضروريا لصحته.
بينما ذهب غالبية الفقه إلى خلاف ذلك، تأسيسا على أن الكتابة تشكل عنصرا لازما لوجود المحرر ، وهذا مرده فى الواقع إلى أن المحرر ليس إلا دليلا كتابيا، بل إن كلمة “محرر” تفيد بالضرورة وجود كتابة مادام أن هذه الكلمة لا تطلق على الأقوال الشفهية ، وطالما كان الهدف من تنظيم المحرر هو إعداد دليل مهيئ مقدما لإثبات العقد أو التصرف الذي يحتويه، لذلك يجب أن يتم إنشاؤه بشكل صحيح يضمن بقاءه مع مرور الزمن، وهو ما يتحقق مع الكتابة، الأمر الذى يؤكد أن الكتابة شرط لا غنى عنه لوجود المحرر العرفي ، وإن إلغاؤها في أغلب التشريعات لا يعني أنها غير ضرورية لأن التصرف القانوني بدون كتابة يكون محصورا بين أطرافه ويصعب إثباته .
وليس المقصود من اشتراط الكتابة لصحة المحرر العرفي الإلكتروني أية كتابة فالكتابة هنا لها معنى خاص، يمكن تحديده على ضوء الغرض من إعداد المحرر کدلیل کتابي، بأنها الكتابة التي ينصب مضمونها على الواقعة المراد إثباتها بالمحرر، ومؤدى ذلك أنه يلزم حتى يتحقق للمحرر العرفي الإلكترونى وصف الدليل في مفهوم الإثبات (القضائي)، أن تنصرف الكتابة إلى وجود واقعة قانونية تنشأ حقا لمصلحة من يتمسك بهذه المحررات في مواجهة من يحتج عليه بها .
الفقرة الثانية: التوقيع الإلكتروني
يعد التوقيع الإلكتروني شرطا جوهريا لصحة المحررات العرفية الإلكترونية؛ فتوقيع المحرر يعتبر – في الواقع – أهم شروط المحرر العرفي، فبدون هذا الإجراء لا يمكن نسبة المحرر إلى من يحتج عليه به ولا تعدو الكتابة غير الموقعة أن تكون سوى مشروع محرر أعد ليكون دليلا على تصرف معين، بما يجعل هذه الكتابة خلوا من كل مضمون، يضاف إلى ذلك أن وضع التوقيع الإلكتروني على المحرر يعنى قبول الموقع لمضمون هذا المحرر ورضاءه الالتزام بما ورد فيه هذا إلى جانب الوظائف المتعددة التي يؤديها التوقيع في الإثبات باعتباره العامل الرئيسي لتحقيق الثقة في المعاملات الإلكترونية. ولذلك ينبغي أن يكون المحرر العرفي الإلكتروني موقعا الكترونيا حتى يمكن أن يؤدي دوره فى إثبات وجود التعاقد المبرم عبر الإنترنت ومضمونه وتطبيقا لذلك يظل هناك عامل مشترك بين المحررات الورقية والإلكترونية يتمثل في اعتبار الكتابة والتوقيع – بصرف النظر عن الشكل الذي يتخذه كل منهما – شرطين أساسيين لصحتها ومن ثم لحجيتها في الإثبات.
ولأهمية التوقيع الإلكتروني، فقد كان للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، عدة جهود في هذا المجال، بحيث وضعت مجموعة من القواعد القانونية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية الدولية، وصاغتها في شكل القانون النموذجي للتجارة الإلكترونية لسنة 1996 كما عملت هذه الجنة في دورتها الرابعة والثلاثون، بوضع قانون الأونسترال النموذجي المتعلق بالتوقيعات الإلكترونية لعام 2001، انطلاقا من حرصها على تفادي أي تعارض بين القوانين في مجال التجارة الإلكترونية وتضمن القانون المذكور جزأين في 17 مادة مضاف إليها 5 مواد مكرر في سنة 1998 تناول الجزء الأول التجارة الإلكترونية بوجه عام، والجزء الثاني خصص للتجارة الإلكترونية الخاصة بنقل البضائع ومن مجمل ما تضمن الجزء الأول الفصل الأول والثاني منه حيث اعترف بالعناية الإلكترونية كوسيلة لإثبات التصرفات القانونية الإلكترونية، ولا يجوز إنكار حجيتها لمجرد أنها في شكل الكتروني، ومذيلة بتوقيع الإلكتروني لإضفاء الحجية عليها، بشرط استيفاء الشروط اللازمة لذلك. وقد تضمن هذا القانون، مجموعة من المبادئ كعدم التمييز تجاه الرسائل الإلكترونية، ومبدأ الحياد التقني ومبدأ المقاربة الوظيفية .
ومنذ سنة 1996 والمشاورات جارية حول صياغة قانون نموذجي للتوقيع الإلكتروني، بين من يرى إدماجه في القانون النموذجي للتجارة الإلكترونية ومن يري صياغة قانون مستقل بذلك واستقر الرأي أخيرا على إصدار قانون مستقل للتوقيع الإلكتروني. في يونيو 2001. وقد تضمن هذا القانون 12 مادة، حيث عرف هذا القانون في المادة (1/2) التوقيع الإلكتروني، بأنه عبارة عن بيانات في شكل الكتروني مدرجة في رسالة بيانات، أو مضافة إليها أو مرتبطة بها منطقيا. يجوز أن تستخدم للتعيين هوية الموقع بالنسبة إلى رسالة البيانات وللبيان موافقته…
وبصدور القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية، أصبح المشرع يلبس لباس الفقه والقضاء، وعرف التوقيع الإلكتروني في البند 7 من المادة الثانية بأنه توقيع “يتجلى في استعمال طريقة ذات موثوقية للتعريف الإلكتروني تضمن ارتباط التوقيع بالوثيقة المتعلقة به، ويعبر عن رضا صاحب التوقيع” كما بين البند 6 من المادة 2 من قانون20-43 على أن صاحب التوقيع هو “كل شخص ذاتي ينشئ توقيعا الكترونيا” والملاحظ من خلال التعريف هو أن المشرع المغربي اعتمد على نفس التعريف الذي أعطي للتوقيع الإلكتروني في لائحة الاتحاد الأوروبي .
ويتضح من خلال التعاريف التي أعطت للتوقيع الإلكتروني من خلال المشرع أن التوقيع الإلكتروني يخص الأشخاص الذاتية فقط، وتتجلى وظيفته في التعبير عن رضا الموقع، والحفاظ على أصل وتماميه الوثيقة الموقعة.
كما أن المشرع المغربي تدارك النقص الذي اعترى القانون 53-05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية والذي لم ينظم إلا التوقيع الإلكتروني المؤمن، في حين لم يعطي أية حجية للتوقيع الإلكتروني العادي، حيث نص المشرع المغربي في 20-43 على ثلاثة مستويات من التوقيعات الإلكترونية، مستوى بسيط ، مستوى متقدم، وآخر مؤهل، وذلك من أجل ضمان الثقة في المعاملات الإلكترونية، واضفاء الحجية القانونية على جميع المستويات.
1-المستوي البسيط:
– لا يتطلب شروطا تقنية أو علمية محددة من أجل استخدام عادي؛
– لا يتطلب قرينة الموثوقية: عبء الاثبات يقع على عاتق المدعی عليه؛
ويمكن أن يغطي هذا المستوى: التصريحات ذات الرهانات المتوسطة، والعقود ذات الرهانات المنخفضة كطلبات القروض البنكية والتصريحات التي تخص الضرائب والضمان الاجتماعي والاستشارات الإدارية.
2-المستوى المتقدم:
يتميز باعتراف يفوق ذلك المخصص للمستوى البسيط: شروط تقنية وتنظيمية للمستوى المتوسط (يرتكز على شهادة الكترونية غير مؤهلة) أكثر مرونة من التوقيع المؤهل، ومفيد لتطوير استخدامات ذات رهان متوسط.
لا يوجب قرينة الموثوقية: عبء الاثبات يقع على عاتق المدعى عليه بخصوص هذا المستوى، يمكن أن يهتم: التصريحات ذات الرهانات المتوسطة، شهادات ذات الرهانات المتوسطة (كالضمان الاجتماعي والضرائب وشهادة التسجيل…)، العقود ذات الرهانات العالية (كالتأمين والقروض البنكية…)، الشهادات المدنية أو العقود القانونية ذات رهانات متوسطة، الإجابة على الصفقات العمومية.
3-المستوى المؤهل:
– يشترط وجوبا استعمال وسائل التشفير . (moyens de cryptologie) ويتميز بأنه:
– يستفيد من قرينة الموثوقية؛
– مفيد لتطوير استخدامات ذات رهان جد قوي.
يمكن أن تندرج في هذا المستوى المعاملات التالية: شهادات ذات رهانات عالية، ارسال الملفات القانونية، العقود، المعاملات البنكية ذات رهانات عالية (المبالغ الكبيرة،) توقيع العقود المتعلقة بالصفقات العمومية.
فمن خلال ما أتي به التقرير أعلاه يتضح أن التوقيع الإلكتروني المؤهل هو التوقيع الوحيد الذي يستفيد من قرينة الموثوقية، الا أن المشرع في المادة 7 من القانون رقم القانون 43.20، نص على أنه: “لا يمكن رفض الأثر القانوني للتوقيع البسيط أو المتقدم كحجة أمام القضاء أو عدم قبوله لمجرد تقديم هذا التوقيع في شكل الكتروني، أو لأنه لا يفي بمتطلبات التوقيع الإلكتروني المؤهل المنصوص عليه في المادة 6 من نفس القانون “.
وفي هذا الصدد سوف نتحدث عن الشروط الواجب استفائها في التوقيع الإلكتروني المؤهل لكي يضفي الحجية على الدعامة المذيلة به:
حسب الفقرة الثانية من الفصل 417-3 من ق.ل.ع فإن التوقيع الإلكتروني يعتبر مؤهلا إذا تم إنشاؤه وكانت هوية الموقع مؤكدة وتمامية الوثيقة مضمونة وفق النصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها في هذا المجال.
وبالنسبة لشروط التوقيع الإلكتروني المؤهل فقد أوردها المشرع المغربي في المواد 5 و6 من قانون 43.20، وهي كالتالي:
• ارتباط التوقيع الإلكتروني بالموقع وحده دون غيره:
لكي يقوم التوقيع بالوظيفة المخصصة له لابد أن يكون خاصا بصاحب التوقيع أي لابد أن يكون التوقيع الإلكتروني علامة مميزة لشخصية الموقع عن غيره ويحدد هويته، إضافة إلى ذلك يجب أن يحدد ذاتيته بما يؤكد سلطته في ابرام التصرف القانوني ورضاه بمضمونه، فحتى يتسنى للتوقيع القيام بأداء وظيفته يجب أن يكون دالا على شخصية الموقع، أي أن يسمح بتحديد هوية الموقع.
• أن يتم إنشاؤه بواسطة معطيات انشاء التوقيع الإلكتروني:
أي يجب انشاء التوقيع الإلكتروني بواسطة معطيات فريدة تستعمل من لدن صاحب التوقيع من أجل انشاء توقيع الكتروني ، ويمكن أن يستعملها صاحب التوقيع تحت مراقبته بصفة حصرية، وبدرجة عالية من الجودة والثقة تحدد من قبل السلطة الوطنية.
• -أن يكون مرتبطا بالمعطيات المتعلقة بهذا التوقيع بكيفية تمكن من كشف كل تغيير لاحق يطرأ عليها:
حتى يمكن للتوقيع أن يؤدي وظيفته في اثبات إقرار الموقع بما ورد في مضموم المحرر، فلا بد أن يكون هذا التوقيع متصلا اتصالا ماديا ومباشرا بالمحرر ويعني هذا الشرط أن علاقة التوقيع بالوثيقة الإلكترونية تتيح للمرسل اليه إمكانية كشف أي مساس بمضمونها وسلامتها أثناء نقلها اليه، ويتم ذلك من خلال استعمال مفاتيح التشفير .
تتمثل أهمية هذا الشرط في ضرورة أن يكون هناك ارتباط بين التوقيعات والمعلومات التي يجري التوقيع عليها، فلا يمكن أن يكون التوقيع غیر متعلق بمعلومات مرفقة معه. وبهذا فإننا نجد أن هذا الشرط يستلزم ضرورة تكامل البيانات المتعلقة ب التوقيع الإلكتروني، بحيث يكون أي تغيير يلحق بالمحرر بعد توقيعه قابلا للكشف، وبالتالي فإن إحداث أي تغيير على التوقيع الموضوع على المحرر يؤدي إلى تعديل بيانات المحرر كاملة وهذا يجعل المحرر غير ذي حجة في الإثبات لأنه يؤدي إلى زعزعة هذه البيانات والتوقيع الإلكتروني
• أن يتم انتاج التوقيع الإلكتروني بواسطة الية مؤهلة لإنشاء التوقيع الإلكتروني مثبتة صلاحيتها بشهادة مؤهلة للمطابقة .
آلية انشاء التوقيع الإلكتروني هي كل معدات أو برمجيات، أو هما معا، تتضمن العناصر المميزة الخاصة بصاحب التوقيع والمعدة لتوظيف معطيات انشاء التوقيع الإلكتروني والمستخدمة في انشائه وحسب المادة 8 من قانون القانون 43.20 يجب أن تستجيب الية انشاء التوقيع الإلكتروني المؤهلة للمتطلبات التالية:
– أن تضمن بوسائل تقنية وإجراءات ملائمة، عدم إمكانية التوصل إلى معطيات إنشاء التوقيع الإلكتروني عن طريق الاستنباط وإمكانية حماية التوقيع الإلكتروني من أي تزوير، بكيفية موثوق بها وبواسطة الوسائل التقنية المتاحة؛
– أن تضمن بوسائل تقنية وإجراءات ملائمة، أن معطيات إنشاء التوقيع الإلكتروني لا يمكن إعدادها أكثر من مرة واحدة وتكون سريتها مضمونة ويمكن حمايتها من قبل صاحب التوقيع بكيفية مقبولة من أي استعمال من لدن الغير؛
– ألا تؤدي إلى أي تلف المحتوى الوثيقة الإلكترونية المراد توقيعها أو تغييره، وألا تشكل عائقا يحول دون أن يكون لصاحب التوقيع إلمام تام بمحتوى الوثيقة قبل توقيعها.
كما أنه لا يمكن أن يعهد بتوليد معطيات انشاء التوقيع الإلكتروني المؤهل أو تدبيرها الحساب صاحب التوقيع الا لمقدم خدمات ثقة معتمد وفقا لأحكام المادة 33 من قانون 43-20 السالف الذكر.
• أن يستند التوقيع إلى شهادة مؤهلة للتوقيع الإلكتروني
قد جاء في البند 9 من المادة الأولى القانون 43.20. أن شهادة التوقيع الإلكتروني هي شهادة الكترونية تربط معطيات اثبات صحة التوقيع الإلكتروني بشخص ذاتي، والتي تؤكد على الأقل إسم الشخص المذكور، أو إسمه المستعار.
وحسب المادة 9 من قانون القانون 43.20. فإن شهادة التوقيع الإلكتروني المؤهلة تسلم من قبل مقدم خدمات ثقة معتمد، وتتضمن معطيات ومعلومات تحدد بنص تنظيمي .
إضافة إلى الشروط اعلاه التي يجب أن يستوفيها التوقيع الإلكتروني، يجب أن يتم تأكيد إثبات صحة التوقيع الإلكتروني، وتتجلى هذه الخطوة في كونها عملية تقنية يقوم بها مقدم خدمة معتمد من أجل اثبات صحة التوقيع الإلكتروني .
وبالتالي، فإن التوقيع الإلكتروني الذي يستوفي الشروط أعلاه يكون مؤهلا، ويتمتع بقرينة الموثوقية كالتوقيع الخطي، وتتمتع الوثيقة المذيلة به بنفس قوة الإثبات التي تتمتع بها الوثيقة المصدق على صحتها والمذيلة بتاريخ ثابت. وهو ما أكدته الفقرة الثالثة من الفصل 417-3 من قانون الالتزامات والعقود التي جاء فيها: “على أن كل وثيقة مذيلة بتوقيع مؤهل وبختم زمني مؤهل تتمتع بنفس قوة الاثبات التي تتمتع بها الوثيقة المصدق على صحتها والمذيلة بتاريخ ثابت “، وهو بذلك يكون إقرار مبدأ المساواة بين المحررات العرفية الإلكترونية والورقية، قد أضحى أمرا واقعا، وأصبح المحرر العرفي الإلكتروني الموقع إلكترونيا من الآن فصاعدا يتمتع بمرتبة المحرر العرفي الورقي في الإثبات.
وترتيبا على ذلك، يكتسب المحرر العرفي الإلكتروني حجية في الإثبات، تلزم القاضي بأن يأخذ به فى النزاع المعروض عليه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في القانون والضوابط الفنية والتقنية المطلوبة، دون أن تقف القواعد التقليدية حائلا دون هذه الحجية ، ولكن ماذا عن الحالة التي يبادر فيها أحد الأطراف بالطعن في صحة هذا المحرر العرفي الإلكتروني سواء عن طريق الإنكار أو بالزور الفرعي.
المطلب الثاني: إمكانية الطعن في صحة المحررات العرفية الإلكترونية
يعد المحرر الإلكتروني إقرارا مكتوبا وهو من أقوى طرق الإثبات الحديثة، ومن مزاياه أنه يمكن إعداده مسبقا منذ نشوء الحق دون التريث إلى وقت المنازعة ، وهو يقوم بدور بالغ الأهمية في ميدان الإثبات المدني، فالمحررات الإلكترونية سواء كانت رسمية أو عرفية يجوز أن تكون طريقا لإثبات التصرفات القانونية، فإن المحررات الإلكترونية تمتاز عن غيرها من طرق الإثبات بكونها دليلا يمكن إعداده مقدما، أي قبل وقوع النزاع بشأنها.
وبالتالي، فإذا كان غالبا ما يسلم أطراف الدعوى بصحة وصدق المحررات التي تقدم فيها بحيث لا تكون محل أي منازعة من قبلهم، فإنه قد يحدث في بعض الأحيان أن ينازع طرف في المحرر الإلكتروني الذي يحتج به عليه في دعوى قائمة فيبادر إلى الطعن بصحة وفي صدق ما يتضمنه من بيانات، الأمر الذي يفتح المجال أمام انطلاق إحدى المسطرتين؛ إما مسطرة الزور الفرعي (الفقرة الأولى)، وإما مسطرة تحقيق الخطوط (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الطعن بالزور الفرعي في المحررات العرفية الإلكترونية
رأينا أن المشرع المغربي قد أورد تعريفا للتزوير في القانون الجنائي على نحو يستوعب التزوير في المحررات الإلكترونية، حيث يقرر الفصل 351 من ذات القانون على أن التزوير هو كل تغيير للحقيقة فيها بسوء نية، تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون.
ودعوى الزور، تتخذ في إحدى الصورتين، فهي إما أن تكون فرعيا، وإما أن تكون أصليا.
فبخصوص الطعن بالزور الفرعي، يكون حين يثار أمام القضاء أثناء نظره في دعوى ضد أحد المستندات المقدمة فيها. وبالرجوع لقانون المسطرة المدنية، في تناوله للزور الفرعي، وصفه مرة بالطعن (الفصل 92)، كما وصفه بالطلب العارض (الفصل 94)، ثم تحدث عن دعوى الزور الفرعية (الفصل 102). وقد كان هذا سببا في تضارب واختلاف المواقف إزاء الزور الفرعي. فنرى عددا من الأحكام تعتبره دعوى، حيث أوجبت تقديمه كمقال افتتاحي للدعوى كما يتعين أداء رسم قضائي عنه، إلا أن المستقر عليه فقها وقضاء هو اعتباره طلب عارض، حيث جاء في قرار حديث لمحكمة النقض صادر سنة 2022 ما يلي: ” البيّن أن الطاعن تقدم بطلب عارض يرمي إلى الطعن بالزور الفرعي في شهادة التسليم التي أدلت بها المطلوبة لتأكيد أن الطالب توصل بموطنه، ومحكمة الاستئناف بالرغم من اعتمادها على نفس الشهادة لتأكيد وقوع التبليغ صحيحا بموطن الطالب صرفت النظر عن البت في مسطرة الزور الفرعي المقدمة لها، بعلة أن البيانات الواردة بالشهادة المعتمدة هي بيانات صادرة عن جهة رسمية، وأنها تستدعي سلوك مسطرة الزور الأصلي فقط، والحال أن صرف النظر المنصوص عليه في الفصل 92 من ق.م.م يستدعي من جهة أولى، اعتبار السند المطعون فيه بالزور غير منتج في النازلة المعروضة على القضاء وعدم اعتماده للفصل فيها، ومن جهة أخرى فإن المشرع عند إقراره لمسطرة الزور الفرعي في الفصل 92 من ق.م.م لم يحصر حالات اللجوء إليه. ومحكمة الاستئناف عندما حادت عن تطبيق مسطرة الفصل 92 من ق.م.م عندما اعتمدت نفس الوثيقة المطعون فيها للقول بصحة إجراءات التبليغ الحاصلة للطالب بخصوص الحكم الابتدائي المستأنف، تكون قد خرقت المقتضى القانوني أعلاه وكان قرارها غير مرتكز على أساس ويتعين نقضه. ”
أما دعوى الزور الأصلية، فبعد أن تحدث قانون المسطرة المدنية في الفصول من 92 إلى 101 عن الزور الفرعي، أفرد نصا خاصا بدعوى الزور الأصلية، يفيد أنها ترفع أمام القضاء الزجري. فجاء الفصل 102: “إذا رفعت إلى المحكمة الزجرية دعوى أصلية بالزور… فإن المحكمة توقف البت في المدني إلى أن يصدر حكم القاضي الجنائي”.
وإن اثارة زورية المحرر الإلكتروني، ينبغي أن تكون هناك دعوى جارية أمام القضاء، ومن ناحية ثانية يلزم أن يكون الادعاء بالتزوير منتجا في النزاع، أي مؤثرا على القرار الذي سيصدر فيه، أما إذا كان الادعاء بالتزوير غير منتج في الدعوى، أي لا تأثير له في أصل النزاع، فإن للمحكمة أن ترفض طلب الادعاء بالتزوير، ومن ناحية ثالثة: أن يكون إجراء التحقيق الذى طلبه الطاعن في مذكرته منتجا وجائزا، وهو ما يلزم معه أن تقتنع المحكمة بوجود قرائن ودلائل قوية على صحة الادعاء بالتزوير، بشكل ترى معه أنه لابد من إجراء التحقيق الذي طلبه مدعى التزوير فى مذكرته، وأخيرا يتعين أن تجد المحكمة فى وقائع الدعوى وأوراقها ما يكفيها في تكوين اقتناعها بصحة المحرر أو بتزويره.
فإذا ما توافرت هذه الشروط، تقوم المحكمة بالأمر بالتحقيق في صحة المحرر الإلكتروني ، وقد حدد قانون المسطرة المدنية الطريقة التى يجري بها التحقيق – كما فعل في تحقيق الخطوط – بالمقارنة أو شهادة الشهود أو الخبرة ، وهي كلها مسائل لا تتفق – في رأينا – مع طبيعة المحررات الإلكترونية.
وجدير بالملاحظة في هذا الخصوص، أن الإثبات بكل الطرق يكون جائزا في دعوى التزوير، وهو ما استقرت عليه محكمة النقض المصرية ، مقررة في هذا الصدد أن دعوى التزوير – بخلاف الحال في تحقيق الخطوط – يكون الأمر فيها، إذا ما قبلت أدلة التزوير، متعلقا بجريمة أو غش مما يجوز قانونا إثباته بجميع طرق الإثبات، وهو ما يستتبع أن يكون لخصم مدعي التزوير الحق في أن يثبت بجميع الطرق أيضا. عدم صحة الدعوى.
ونرى أنه ينبغي على المحكمة أن تستعين بأهل الخبرة والمختصين في مجال تكنولوجيا المعلومات من أجل كشف التزوير فى المحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني.
– رأي الباحث:
ينبغي ألا يقتصر الطعن في صحة المحررات الإلكترونية على مجرد إنكار المحررات العرفية الإلكترونية والادعاء بتزوير المحررات الإلكترونية الرسمية منها والعرفية، ذلك أنه توجد – إلى جانب تزوير المحررات الإلكترونية – أفعال أخرى تمس سلامة تلك المحررات من شأنها أن تؤدى إلى إفساد سلامة المحرر كأفعال إتلاف أو تعييب المحررات الإلكترونية أو التوقيعات الإلكترونية بالإضافة إلى الوسيط الإلكتروني، وهي أمور لم تكن لها مجال واسع في إطار المحررات الورقية باعتبار أن أى إتلاف أو تعييب لتلك المحررات يمكن اكتشافه بالعين المجردة لوجود المحرر على دعامة مادية ملموسة هي الورق، كما يمكن في هذا الصدد ترك الحرية للقاضي في إهدار حجية المحرر الإلكتروني أو إنقاصه وفقا لظروف كل دعوى على حدة ووفقا لما يستظهره من وقائع الدعوى وملابساتها وما يتبين له من واقع فحص المحرر الإلكتروني – بمعرفة ذوى الخبرة – ما إذا كان التلف أو التعييب جوهريا أم لا، وهو أمر متروك للقاضي، فإذا كان منتج أمر بإجراء خبرة معلوماتية فنية، أما إذا كان غير منتج فإنه يمكن إنقاص تلك الحجية للحد الذي يراه القاضي، مع عدم إغفال ما يمكن أن يترتب على ذلك التلف أو التعييب من عقوبات زجرية.
أما بالنسبة لتزوير المحرر الإلكتروني أيا كانت وسيلته فينبغي على القاضي ــ في تقديرنا ــ أن يلجأ إلى وقف إجراءات الدعوى لحين البت في المحرر المزور وأن يأمر بالإحالة إلى الخبرة التقنية، ومتى ثبت له هذا التزوير يتعين عليه أن يسقط حجية المحرر في الإثبات، فضلاً عما يترتب على ذلك من عقوبة جنائية.
الفقرة الثانية: مسطرة تحقيق الخطوط في المحررات الإلكترونية
أولا: المسألة في القانون الفرنسي
بينت الدراسة فيما سبق أن المشرع الفرنسي يعتد بالمحرر العرفي الإلكتروني في الإثبات باعتباره دليلا كتابيا يتمتع بذات الحجية المقررة للمحرر العرفي الورقي، ولكن من أجل حدوث ذلك، ينبغى تلبية بعض الشروط المتعلقة بموثوقية وسيلة التواقيع المستخدمة في تحديد هوية الموقع على نحو يضمن ارتباطه بالمحرر ويضمان سلامة البيانات أثناء تبادلها وخلال حفظها، وافترض المشرع موثوقية وسيلة التوقيع الالكتروني، إلى أن يثبت العكس، حينما تستوفي المتطلبات المنصوص عليها في المرسوم الصادر في 30 مارس 2001، في المادة 2 منه.
ولاشك أن تطلب استيفاء بعض الاشتراطات التقنية – الإضافية – لتوافر قرينة تفيد صحة المحرر العرفي الإلكتروني يتعارض مع الدور التقليدي الذي تؤديه قواعد الكثر هذا المحررة وبخاصة من جهة عبء الإثبات بالنظر إلى أن القواعد التقليدية المتعلقة بإنكار المحررات تجيز لمن يحتج عليه بالمحرر أن ينكره لينتقل عبء الإثبات إلى عاتق من يتمسك به بينما على العكس من ذلك يترتب على قيام قرينة موثوقية المحرر العرفي الالكتروني له لا يجوز لمن يحتج عليه بالمحرر أن ينكر صدوره منه فقط وإنما يقع على عائله عبء إثبات ذلك.
وسنبحث الحالات التي ربما تكون مطروحة بالنسبة للادعاء بإنكار المحرر العرفي الإلكتروني، وبصفة خاصة حينما يتمتع التوقيع الإلكتروني الذي يقترن بالمحرر بقرينة الموثوقية التي نصت عليها المادة 1316 في الفقرة 4، وسنعتمد بصفة خاصة على الأحكام الجديدة في قانون المرافعات المدنية الجديد ، المنبثقة عن المرسوم رقم 1436-2002 الصادر في 3 دجنبر 2002 المعدل لبعض أحكام هذا القانون المعنية بإنكار المحررات العرفية، والذي يهدف لتطويع القواعد المتعلقة بتحقيق الخطوط، حتى تتلائم مع التعديل التشريعي لقواعد الإثبات بمقتضى القانون الصادر في 13 مارس 2000، (المتعلق بتطويع قانون الإثبات لتكنولوجيا المعلومات والمتعلق بالتوقيع الإلكتروني) .
ويظهر لنا من نص المادة 1324 من التقنين المدني الفرنسي” أنها تخول للقاضي في حالة إنكار من يحتج عليه بمحرر عرفي صدوره عنه (أو الدفع بالجهالة من الورثة أو الخلف)، أن يأمر باتخاذ إجراءات التحقيق قضائيا، مما يتطلب مراعاة القواعد المتعلقة بإجراءات تحقيق الخطوط المنصوص عليها في المادة 287 من قانون المرقعات المدنية الجديد والمواد التالية لها .
ففي المقام الأول، تقدم المادة 287 من قانون المرافعات الفرنسي الجديد – المعدلة بالمرسوم الصادر في 3 دجنبر 2002 – بعض الإيضاحات المفيدة فيما يتعلق بالمحرر المتخذ شكلاً إلكترونيا، حينما تشير إلى أنه فى حالة إنكار من يحتج عليه بكتابة إلكترونية أو توقيع الكتروني نسبتهما إليه يقع على عاتق القاضي مهمة التحقق من توافر شروط صحة الكتابة أو التواقيع الإلكترونى المنصوص عليها في المادتين 1364، و 1366من التقنين المدني ، لكن يثور التساؤل حول من يتحصل بعبء الإثبات في هذه الحالة في ضوء عدم تحديد المادة 287 من قانون المرفعات لتلك المسألة.
وفي هذا الصدد، نجد أن من شأن فرينة موثوقية التواقيع التي أقرها التعديل التشريعي الفرنسي المتعلق بالاثبات الإلكتروني أن تقلب عبء الإثبات إلى عائق من ينكر نسبة المحرر الإلكتروني له بينما يقع على عائق المتمسك به إثبات توافر الشروط اللازمة لصحة ذلك المحرر الواردة في المانتين 1364 و1366 من التقنين المدني الفرنسي ، التي تتمثل في أن يتم إعداده وحفظه في ظروف من شأنها أن تضمن تحديد هوية الموقع وسلامة البيانات ، التي يقع على القاضي مهمة التحقق من توفرها وفقا لنمن المادة 287 من قانون المرافعات المدنية الجديد.
وفي المقام الثاني، بالرجوع إلى المادة 288-1 الجديدة المدرجة في قانون المرافعات المدنية ، تشير إلى أنه حينما يتمتع التوقيع الإلكتروني بقرينة الموثوقية، فإنه يتعين على القاضي أن يبين في حكمه ما إذا كانت العناصر التي لديه تبرر قلب هذه القرينة، وينبغي حينئذ على من ينكر المحرر العرفي المشمول بتوقيعه الإلكتروني “المؤمن” أن يقيم الدليل على عدم موثوقية وسيلة التوقيع من أجل أن يقدم للقاضي العناصر التي تبرر قلب هذه القرينة طبقا لما هو منصوص عليه في المادة 288-1 من قانون المرافعات المدنية الجديد، ولا يكتفى في هذه الحالة بمجرد الإنكار ، ويترتب على نجاحه في ذلك نقل عبء الإثبات إلى عاتق من يتمسك بالمحرر العرفي.
وغني عن البيان، أنه يجوز لمن ينسب إليه التوقيع الإلكتروني “المؤمن” أن يقيم الدليل على عدم موثوقيته بكافة الوسائل، ويحتفظ القاضي بسلطته المطلقة في تقدير الوسائل التي يقدمها له الأطراف، ولكن نجد أنه في إطار المنازعات المتعلقة بالعقود الالكترونية، فإنه سيكون من الصعب على من يحتج عليه بتوقيع محرر إلكتروني أن يتمسك بأن توقيعه الإلكتروني قد تعرض لاعتداء من الغير أو أنه نشأ في أعقاب اضطراب في عمل النظام، وذلك في حالة ما إذا كان هذا التوقيع يندرج في إطار التوقيعات الإلكترونية “المؤمنة” التي تنشأ بفضل منظومة إنشاء توقيع الكتروني مؤمنة، ويعتمد التحقق من هذا التوقيع على شهادة تصديق الكتروني مؤهلة، وبالتالي يتضح أن قلب قرينة موثوقية التوقيع الإلكتروني المؤمن سيكون صعبا للغاية بل مستحيل .
وفي ظل هذه الشروط من الواضح أن من يثبت من المدعين أن المحرر مزود بتوقيع الكتروني “مؤمن” يتمتع بقرينة الموثوقية المنصوص عليها في المادة 1366 من التقنين المدني الفرنسي ، سيكون في موقف قوي للغالية.
على أية حال، يبقى إنكار المحرر العرفي مسموحا به في القانون الفرنسي، سواء اتسم بالشكل الإلكتروني أو اتخذ شكلا تقليديا على دعامة ورقية.
ثانيا: المسألة في القانون المصري
رأينا عند حديثنا عن حجية المحررات العرفية الإلكترونية في الفصل الباب الأول من هذه الدراسة أن المشرع المصري نص في المادة 17 من قانون التوقيع الإلكتروني قد جاء صريحا في شأن سريان الأحكام المتعلقة بإثبات صحة المحررات المنصوص عليها في قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية على إثبات صحة المحررات الإلكترونية الرسمية والعرفية والتوقيع الإلكتروني، فيما لم يرد بشأنه نص في هذا القانون.
ويتضح من استقراء نصوص قانون الإثبات المتعلقة بإثبات صحة المحررات (المواد 28-59)، أنه إذا كانت بعض الأحكام الخاصة بإثبات صحة المحررات لا تتعارض مع الطبيعة التقنية للمحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني التي يغلب عليها الطابع اللامادي، ومن ذلك على سبيل المثال، الحكم على من أنكر المحرر بغرامة في حالة الحكم بصحة المحرر (المادة 43 من قانون الإثبات)، إلا أن الكثير من هذه الأحكام يتعارض مع الطابع غير المادي المتسمة به المحررات الإلكترونية الرسمية والعرفية والتوقيع الإلكتروني.
ويرجع ذلك إلى أن الاثبات الالكتروني لم يكن مطروحا أمام مشرع قانون الإثبات ولو من باب الافتراض الجدلي، فجاءت هذه الأحكام في مجملها مرتبطة بأدلة الإثبات التقليدية، ومثال ذلك الأحكام الخاصة بالتحقيق بالمضاهاة، سواء تعلق الأمر بالخط أو الإمضاء أو الختم أو التوقيع أو بصمة الإصبع (م 26 من قانون الإثبات) ومن ذلك إيداع المحرر المتطلب تحقيقه قلم الكتاب (م 32) وحضور الخصم بنفسه للاستكتاب (م 25 من قانون الإثبات)، وهو الأمر الذي حدا بالبعض من الفقه إلى القول – بحق – بأنه قد فات المشرع أن يضيف تحفظا في ختام المادة 17 من قانون التوقيع الإلكتروني نصه كالتالي: “.. وذلك فيما لا يتعارض مع طبيعة وتقنية المحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني”.
ويجدر أن نتساءل هل يمكن تطبيق إجراءات تحقيق الخطوط على الكتابة الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني، لاشك أن الإجابة ستكون بالنفي، نظرا لأن المدلول الذي توحي به كلمة “الخطوط”، تدل للوهلة الأولى على استعمال أداة مادية لوضع حروف أو أي علامات أو رموز مادية، وهو ما يعني امتدادا لرئينا السابق، أن تلك القواعد التي صيغت معالمها في العالم الورقي يصعب تطبيقها على المحررات الإلكترونية
– ضوابط إنكار المحررات العرفية الإلكترونية في التشريع المصري :
رأينا أن قانون التوقيع الإلكترونى المصري، قد جاء خلوا من أية إشارة إلى الإجراءات أو الشروط الواجب اتباعها في حالة إنكار المحرر الالكتروني من قبل من ينسب إليه مكتفيا في هذا الصدد بالإحالة إلى قواعد إثبات صحة المحررات في قانون الإثبات على نحو ما قدمنا.
وبتطبيق تلك القواعد على المحررات العرفية الإلكترونية، فإنه يجوز لمن يحتج عليه بمحرر عرفي إلكتروني أن ينكر صدوره منه، مما يلقي بعبء الإثبات على عاتق من يتمسك بذلك المحرر، وفي هذه الحالة يفقد المحرر الإلكتروني قوته في الاثبات – بصورة مؤقتة – إلى حين البت في هذا الطعن.
وفي تقدير البعض، فإن مسألة تعليق حجية المحرر العرقي الإلكتروني، على شرط عدم إنكاره أو الدفع بالجهالة، ينبغي التريث في تطبيق حكمها – بالصورة الواردة في القواعد العامة للإثبات – على حجية المحرر العرقي الالكتروني، وبخاصة من حيث من يقع عليه عبء الإثبات في حالة الكار، ويرجع ذلك إلى أن التوقيع على المحور العربي الالكترونى الذى يكون بالضرورة إلكترونيا للتحقق له عوامل الأمان والسلامة التي تجعله يحظى بالحجية اللازمة؛ حيث يضفي تدخل مقدمي خدمات التصديق الإلكتروني مصداقية على صحة التوقيعات الإلكترونية عن طريق التحقق من صحة التوقيع الإلكتروني وإصدار شهادات بذلك، بشكل يؤدي إلى الاطمئنان إلى صدور التوقيع الإلكتروني ممن ينسب إليه، وهو أمر لا يتحقق فى مجال المحررات الورقية .
ومن هنا، فإن القول بإمكانية دحض حجية ذلك التوقيع بمجرد انكاره من جانب من يحتج عليه به بمثل هذه السهولة التي تشير إليها القواعد العامة، وتكبد من يتمسك به عبء إقامة الدليل على صدوره من المدعى عليه، يناقض الواقع ويؤدي إلى إفراغ تلك الضمانات من مضمونها والهدف الذى تمناه المشرع من وراء النص عليها، وبهز الثقة الواجب توافرها في هذه المحررات بشكل قد يؤدى إلى إحجام الأفراد عن تهيئتها لتكون دليلا على التعاقدات الإلكترونية، الأمر الذي سيكون له بالضرورة تأثيراته السلبية على ازدهار هذه التعاقدات والثقة فيها.
ثالثا: موقف المشرع المغربي
لم يتعرض المشرع المغربي لإمكانية إنكار الكتابة الإلكترونية عكس نظيره الفرنسي، ولكن وفي إطار المساواة التي أقرها المشرع المغربي بين الوثيقة الإلكترونية والوثيقة الورقية بمقتضى الفصل 417-1 فيمكن لأحد الأطراف أن ينازع في الوثيقة العرفية الإلكترونية وذلك بإنكار الكتابة الإلكترونية تطبيقا للقواعد العامة المنصوص عليها في ظ.ل.ع الذي ينص في الفصل 431 : “يجب على من لا يريد الاعتراف بالورقة العرفية التي يحتج بها عليه أن ينكر صراحة خطه أو توقيعه”، وفي الفصل 89 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص: “إذا أنكر خصم ما نسب إليه من كتابة أو توقيع أو صرح بأنه لا يعترف بما نسب إليه…”
لكن ما يمكن ملاحظته من خلال هذين الفصلين أن الفصل الثاني منهما ( أي 89 من ق م م)، أكثر ملاءمة للمجال الإلكتروني .
فالكتابة المنصوص عليها في هذا الفصل يمكن أن تشمل الكتابة العادية والكتابة الإلكترونية بما أن مصطلح الكتابة جاء مطلقا وبالتالي يؤخذ على اطلاقه في حين أن مصطلح الخط المنصوص الفصل 431 المنصوص عليه من ظ.ل.ع له علاقة بالوثيقة الورقية.
فالإنكار في المجال الإلكتروني يتعلق بالكتابة وليس بإنكار الخط الذي يصعب تصوره خاصة ونحن إزاء مجموعة من الإشارات والرموز ويزداد الأمر صعوبة عند وجود شهادة عليه إلكترونية تضمن صحة البيانات الموقع عليها .
فمن الصعوبة تصور إنكار الكتابة الإلكترونية إلا في حالات تكون فيها الكتابة بقلم إلكتروني على لوحة الكترونية متصلة مباشرة بالحاسوب أو وقع تحويل الوثيقة الورقية إلى شاشة الحاسوب عن طريق السكانير .
ففي هذه الحالات يمكن إنكار الكتابة الإلكترونية وبالتالي على المحتج بالوثيقة الإلكترونية عبء إثبات صدورها من صاحب التوقيع، كما يمكن للمدعى عليه أن ينكر التوقيع الإلكتروني، وما يؤكد قولنا هذا هو قرار صادر عن محكمة النقض سنة 2019 حيث جاء فيه ما يلي: “حيث صح ما عابته الطاعنة على القرار، ذلك أن المحكمة مصدرته اعتبرت أن المطلوبة أثبتت انجازها للخدمات المطلوبة منها والمتفق عليها بمقتضى الملحق رقم 2 بمقتضى رسائل إلكترونية متبادلة بينها وبين الطاعنة، حسبما ضمن بالقرص المدمج الذي سلمته للخبير والذي تضمن 483 رسالة إلكترونية رغم أن الطالبة بقيت تنازع في وجود رسائل إلكترونية وتنكر صدورها عنها. والحال أن الكتابة بالصيغة الإلكترونية لتقبل في الإثبات وتكون لها نفس قوة الكتابة على الدعامة الورقية يشترط أن يعرف من صدرت عنه وأن تثبت وتحفظ ضمن الشروط التي تتطلبها طبيعة هذه الكتابة وأن تضمن سلامتها. وبذلك فقد ساوى المشرع من خلال الفصل 417-1 من ق.ل.ع والتعديلات التي أدخلت عليه الكتابة الإلكترونية بالورقية، لكنه وضع شروطا لضمان مصداقية الكتابة الإلكترونية نص عليه في المقتضيات اللاحقة، ومنها أن تكون البيانات الواردة في الكتابة الإلكترونية كافية لتحديد هوية الشخص الذي نسبت إليه، وأن تحفظ الكتابة الإلكترونية على دعامة تتلائم مع طبيعتها بحيث يمكن استرجاعها بشكل مفهوم في أي وقت مع ضمان سلامتها. والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه التي اعتمدت عليها أساسا في الإثبات دون التحقق كفاية من الشخص الذي أصدر هذه الوثائق وتاريخها وسبب إصدارها، وهل طالها أي تغيير حتى يتأتى الإعتماد عليها كوسيلة إثبات تكون قد بنت قرارها على غير أساس معللا تعليلا ناقصا موازيا لانعدامه مما يعرضه للنقض” .
أما بخصوص إنكار التوقيع الإلكتروني لم ينص المشرع المغربي على إمكانية إنكار التوقيع الإلكتروني عکس نظيره الفرنسي في الفصل 287 ق م م. ولكن يمكن الرجوع إلى المبادئ العامة خاصة وأن مصطلح التوقيع الوارد في الفصل 431 من ط.ل.ع والفصل 89 ق م.م ورد بصيغة عامة، وبالتالي يشمل التوقيع العادي والتوقيع الإلكتروني. ومن الصعب تصور هذا الإنكار؛ إن لم يكن مستحيلا، إذا تعلق الأمر بتوقيع الكتروني مؤهل نظرا لأن منظومة إحداثه تقوم على تدقيق الإمضاء والتحقق فيه من جانب جهة التصديق الإلكتروني فكأنه عرض على الاختبار المسبق أو تعريف بالإمضاء يحول دون إنكاره لاحقا.
وهو ما كرسه المشرع المغربي في الفصل 417-3 الفقرة الثالثة حيث اعتبر أن التوقيع الإلكتروني المؤهل يتمتع بنفس القوة الثبوتية للتوقيع المصادق عليه. وبعد التصديق على التوقيع وفقا للقوعد العامة لا يجوز لصاحبه الاكتفاء بالإنكار بل يجب عليه الطعن فيه بالزور .
والتوقيع الإلكتروني المؤهل طبقا لما سبق قوله يعتبر أكثر قوة من التوقيع الإلكتروني العادي، فيصعب بذلك الطعن في صحته فهو يتمتع بقرينة قانونية “تعفي لمن تقررت لمصلحته من إثبات ادعائه وبالتالي ينقلب عبء الإثبات على المدعي عليه”. واعتبر البعض هذه القرينة قاطعة لأنه يصعب على المدعي عليه إثبات ما يخالف التوقيع الإلكتروني المؤهل؛ فهو مطالب بإثبات عدم ملاءمة المنظومة الإلكترونية. وفي صورة إذا كان هو صاحب الشهادة فعليه إثبات عدم صدور التوقيع الإلكتروني منه وذلك بأن يثبت سرقة المفتاح أو ضياعه رغم اتخاذه جميع الاحتياطات في حفظه وأنه أعلم مقدم خدمات المصادقة الإلكترونية في الوقت المناسب طبقا للمادة 27 من القانون رقم 43.20.
وتتطلب هذه الإجراءات تكلفة باهظة قد يعجز عنها المدعي عليه خاصة إذا كان مستهلكا عاديا، أي غير محترف.
وبخلاف ذلك يمكن إنكار التوقيع الإلكتروني البسيط فهو لا يتوفر على نفس الضمانات التي يتوفر عليها التوقيع الإلكتروني المؤمن. كما أنه لا يتمتع بقرينة قانونية، وبذلك تجعل على المحتج بالوثيقة العرفية الإلكترونية عبء إثبات صدورها من خصمه باتباع الإجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية.

خاتمة:

وأخيرا، إذا كنا قد انتهينا إلى أن بعض قواعد الطعن في صحة المحررات، تبدو غير متلائمة مع طبيعة المحررات الإلكترونية، نظرا لقيامها في الأساس على وجود المحرر على دعامة مادية ملموسة (الورق)، لذا نرى ضرورة التدخل التشريعي بوضع قواعد خاصة بالطعن على صحة المحررات الإلكترونية، عن طريق إيجاد وسيلة «للطعن بعدم سلامة المحرر الإلكترونى»، تشمل بين جنباتها الطعن بتزوير التوقيع أو الوسيط أو المحرر الإلكتروني، بالإضافة إلى الطعن بتلف أو تعييب التوقيع أو الوسيط أو المحرر الإلكتروني، وهو أمر يتفق مع طبيعة المحررات الإلكترونية ويخرجها من الأحكام التي صيغت في إطار العالم الورقي.
كما أن إمكانية تطبيق مسطرة تحقيق الخطوط المنصوص عليها في ق.م.م. على المحررات الإلكترونية ليست بالأمر السهل، حيث لا يخفى على أحد أن المشرع المغربي نظم قواعد إنكار المحررات الورقية فقط دون المحررات الإلكترونية التي تم تهييئها في بيئة افتراضية.
ولقد خلصنا في نھایة ھذا الموضوع إلى مجموعة من النتائج:
اعتبار المشرع المغربي أنه لصحة المحرر الإلكتروني العرفي یجب أن یكون مذیلا بتوقیع إلكتروني مؤهل؛
بما أن المحرر الالكتروني لابد له من عنصرین أساسین وھما الكتابة والتوقیع، ونظرا لكون الكتابة والتوقیع التقلیدین لا یتلاءمان والمحررات الإلكترونیة فإنه تم استحداث كتابة وتوقیع من نوع خاص وھما الكتابة الإلكترونیة والتوقیع الإلكتروني؛
لم یعمل المشرع المغربي وعلى غرار باقي التشریعات على وضع تعریف شامل للكتابة الإلكترونیة، بل كل ما في الأمر أنھا عرفت بصفة عامة تشمل الكتابة الإلكترونیة أیضا، وذلك یرجع إلى كون الكتابة الالكترونیة لا تختلف على الكتابة التقلیدیة إلا من حیث من الدعامة، ومن حیث الشكل فھي تكون على شكل معدلات خوارزمیة یتفاعل معھا الإنسان من خلال الاستعانة بوسائل إلكترونیة؛
یشكل التوقیع الإلكتروني وسیلة للتعریف بھویة الشخص في مجال المعاملات الإلكترونیة خاصة إذا تم إنشاء ھذا التوقیع بواسطة آلیات تقنیة متطورة ولدى مؤسسات موثوقة، حیث إنه في ھذه الحالة قد یفوق التوقیع التقلیدي من حیث الثقة والمصداقیة.

تعليق واحد

  1. مقال رائع للأستاذ المحامي نجيب مرزاق حول المحرر العرفي الإلكتروني بين تحقيق الخطوط والزور الفرعي. يظهر الأستاذ نجيب في هذا المقال عمق فهمه وخبرته في المجال القانوني، خاصة في مجال المعاملات الإلكترونية. أشيد بأخي نجيب مرزاق على هذا العمل الرائع، والذي يعود إلى شغفه واهتمامه بالمواد القانونية منذ دراسته الجامعية بشعبة المعاملات الإلكترونية بجامعة الحسن بسطات. كنت دائمًا أتوقع له مستقبلًا باهرًا في المجال القانوني، واليوم يثبت مقالته هذه التوقعات. أتطلع إلى المزيد من إسهاماته في هذا المجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى