إعلام يصطاد في المياه العكرة… تتحوّل المهنة إلى أداة لتصفية الحسابات مع المغرب
ياسين شريحي – مدير النشر
مرة أخرى، يجد المغرب نفسه هدفا لحملات إعلامية مشبوهة، لا علاقة لها لا بالمهنية ولا بأخلاقيات الصحافة، بقدر ما ترتبط بعقدٍ دفينة تجاه بلد اختار أن ينجح بصمت، وأن يشتغل بمنطق الدولة لا بمنطق الضجيج.
ما وقع خلال الأيام الأخيرة لا يمكن وصفه إلا بمحاولة فاشلة لتشويه صورة تنظيم كأس إفريقيا بالمغرب، عبر تلفيق الوقائع وتحوير الحقائق وصناعة “أزمات وهمية” لا وجود لها إلا في عدسات مغرضة ونيات مريضة.
فبعد ترحيل صحافي جزائري بسبب أفعال غير مهنية واضحة، بدل أن يتحمل مسؤوليته القانونية والمهنية، تحوّل إلى “ضحية افتراضية” في إعلام بلده، في محاولة مكشوفة لربط قرار سيادي مغربي بحرية الصحافة، بينما القضية في حقيقتها لا تتجاوز حدود السلوك المخالف للقانون وضوابط الاعتماد.
ولم يتوقف العبث عند هذا الحد، بل خرج علينا إعلامي تونسي ليلة البارحة بفيديو مفبرك بصريا، يدّعي فيه وجود انقطاع كهربائي بالقاعة الإعلامية، متعمّدا اختيار زاوية مظلمة للتصوير، في حين أن الشاشات التلفزية كانت تعمل خلفه بشكل طبيعي، والبث لم يتوقف، والمركز الإعلامي ظل يؤدي وظيفته في ظروف عادية.
أي مهنية هذه التي تُبنى على الإخراج المسرحي؟ وأي رسالة يريد تمريرها حين تُظهر الكاميرا ما ينفي ادعاء صاحبها؟
ثم انتقل الخطاب نفسه إلى التباكي على “معاناة الجماهير مع المطر”، وكأن كرة القدم في أعظم دوريات العالم لا تُلعب تحت الأمطار، وكأن المدرجات في أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا لا تمتلئ بالأنصار في أسوأ الظروف المناخية، بل الأكثر سخرية أن أرضية الملعب، رغم تساقط الأمطار لمدة 45 دقيقة كاملة، لم تتأثر، ومرت مباراة المنتخب التونسي في أفضل الظروف التقنية، دون توقف ولا اختلال.
لكن عندما تكون النية هي الاصطياد في المياه العكرة، يصبح المطر كارثة، والظلام المصطنع أزمة، والإجراءات القانونية قمعا، وتُختلق الأعطاب حيث لا وجود لها.
إن ما نعيشه اليوم ليس نقدا إعلاميا، بل هو عدوان رمزي على صورة بلد. عدوان يقوده إعلام فشل في مواكبة التطور المغربي، فاختار الهروب إلى الأمام عبر صناعة الأكاذيب، بدل الاعتراف بأن المغرب بات رقما صعبا في تنظيم التظاهرات القارية والدولية.
والمفارقة المؤلمة أن بعض هذه الأصوات تأتي من دول يفترض أنها شقيقة، تتقاسم معنا الهمّ الكروي والمصير المغاربي، لكنها آثرت الانخراط في جوقة التشويش بدل الاصطفاف مع النجاح.
المغرب لا يحتاج شهادات حسن سلوك من أحد. الوقائع على الأرض، والبنيات التحتية، والتنظيم المحكم، واحترام القوانين، كلها كفيلة بإسكات الضجيج. أما إعلام الاصطياد في المياه العكرة، فمصيره الطبيعي هو الغرق في مستنقع الأكاذيب التي يصنعها بنفسه.



