السفسطائيون

ذ. الشرقي المعانيد

قبل الحديث عن السفسطائيين تجذر الإشارة إلى تفكيك كلمة سفسطائي، بحيث ترجع إلى الفعل سفسط أي، غالط والإسم سفسطةٌ؛ وتعني المُغالطة، هذا من الناحية اللغوية، بينما السفسطائية تعني من الناحية الإصطلاحية، حركة فكرية ظهرت في بلاد اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت تُعلم الشباب اليوناني فن الخطابة وأمور السياسة مُقابل أجور باهظة. حاربها سقراط بكيفيات مختلفة، ودافع عن التعليم العمومي المجاني، ومن بين رواد الحركة السفسطائية نذكر، هيبياس وبروتاغوراس وجورجياس وأناغساغوراس..
– فكيف تكونت هذه الحركة السفسطائية؟
– وكيف مهدت الظروف الاجتماعية والسياسية لظهور هذه الحركة؟ وكيف شكل فِكرها أبرز اهتمامات الطبقة المثقفة ومنهم الفلاسفة؟
ظهرت الحركة السفسطائية في بلاد اليونان القرن الخامس قبل الميلاد، وكان ذلك استجابة لحاجة إيديولوجية ارتبط فيها السياسي بالاجتماعي، مع السفسطائيين نحن في مرحلة انتصار وتوطيد دعائم الديموقراطية.
إن انتصار الديموقراطية وَجَّهَ ضربة قاسمة لمفاهيم الأرستوقراطية النبيلة في القيادة والسياسة والتشريع، وأرسى مؤسسات أَمَّنت المشاركة الفعلية لكل المواطنين الأحرار في إدارة وحكم المدينة، وظهور السفسطائيين في العاصمة اليونانية أثينا أَمَّن دستور كليستين حَقَّ انتخاب القادة والقُضاة من قِبل المواطنين، فأصبح للجمعية الشعبية بالغ الأهمية في تقرير وجهة الحُكم وأشخاص الحاكمين، وجَرَّ هؤلاء أمام المحاكم ومُحاسبتهم على ما قدَّمت أيديهم. فالحاكم لم يعد على صلة بالآلهة يتلقى منها الأوامر ويتصرف على الأرض حسب مشيئة السماء. إن مفهوم القيادة قد تغير وأصبح على القادة أن يلتزموا مصالح المدينة والمواطنين وإلاَّ يُعزلون بإرادة شعبية.
هكذا أَمَّنت الديموقراطية مشاركة المواطنين الأحرار في السياسة، ولهذا كان عليهم أن يكتسبوا التربية السياسية اللازمة لحُسنِ الاختيار والدفاع عن مصالحهم وبالتالي حُكم أنفسهم بأنفسهم.
ثم أن مُحاسبة القادة والدفاع عن المصالح والتنافس الذي تتيحه الديموقراطية في زمن حرمت الأصول القضائية اللجوء إلى المُحامين، كل هذا يُحتم على المواطن امتلاك فن الإقناع والنقاش الفكري والجدل والفصاحة و تملك الخطابة، سيما وأن الحياة السياسية وقسما كبيرا من المصالح الفردية خضعت للاقتراع الذي يلي المُجادلات الخطابية.
كل هذه الأمور تُعد أبرز معالم الحاجة الاجتماعية والسياسية التي لَبَّاها ظهور السفسطائيين. كذلك اقتضى التطور الايديولوجي ظهور المذهب السفسطائي، كنقلة نوعية في تاريخ الفكر اليوناني.
لقد حصر أكثر المفكرين اهتمامهم في تفسير الطبيعة والوجود، بحيث بحثوا عن المبدأ الأول والحركة وكيفية حدوث الكون والفساد، وقاسوا الإنسان بمقياس الطبيعة، فنفوا الذات لصالح الموضوع. هذا المسار في تاريخ الفلسفة اليونانية خلق نقيضه مع السفسطائيين الذين نفوا الموضوع لمصلحة الذات، وجعلوا الإنسان محور تفكيرهم واعتبروه مقياس كل شيء.
هكذا كان ظهور الحركة السفسطائية استجابة لحاجة اجتماعية وسياسية وإيديولوجية اقتضاها التطور العام في الفكر اليوناني. ففي هذا المقال لن نتعرض لكل سفسطائي على حدة، بل سنقتصر على عرض مذهبهم من خلال ما جاء عند سفسطائيين كبيرين هما بروتاغوراس وجورجياس.
لقد تميز أفلاطون بعدائه الجذري للحركة السوفسطائية مدفوعا بحقده على الديموقراطية ومن بعده تلميذه أرسطو، مما جعله محط سخرية مفكري القرون الوسطى، إلى أن أعيد اعتباره مع مؤرخي الفكر المعاصرين. والذي ساعد على هذا التشويه تحول سفسطائيين متأخرين إلى مُغاطلين. زمن أفلاطون، حيث اهتموا بتحصيل المال بأية وسيلة وكانوا من الحالة الفكرية ذلك أنهم لم يستطيعوا الصمود أمام هجمات خصومهم.
وتعني كلمة السفسطائي في اليونانية المعلم أو رجل المعرفة، وهو يُعلم الحكمة، يُلقنها للناس ويُساعدهم على امتلاكها. فلم تعد الحكمة مع السفسطائيين وقفاً على الآلهة، لقد أنزلوها من السماء آلى الأرض، وقاسوها بمقاييس بشرية، وعمموها وأحدثوا انقلابا في النظرة إلى الثقافة، وخلقوا طموحاتٍ وأفكاراً وقيماً جديدة في المجتمع اليوناني غداة تلك المرحلة، فأحكموا قبضتهم على فن الخطابة وصاروا يعلمون الشباب اليوناني فن الخطابة وأبجدبات السياسة مقابل تلقيهم أجورا باهظة، لذلك، واجههم سقراط مواجهة فكرية منقطعة النظير.
تعني الحكمة عند السفسطائيين العلم، بل علم الإقناع بما يعتبر ضروريا، صحيحا، فاضلا ومفيدا، إنها فن المقال والديالكتيك الذي يكفل لأربابه الغلبة في فرض آرائهم ومصالحهم. وكل مثقف يمكنه امتلاك هذه الحكمة واكتساب هذا الفن. والكل بحاجة إلى هذا الفن في أثينا الديموقراطية أنذاك، أغنياء وفقراء. مما يجعل الجدل علم العلوم وفتح الباب على مصراعيه للمعلمين الجدد. هذه الحكمة كان لها بالغ التأثير في نمو الفكر المنطقي وفي البحث في الألفاظ ودلالتها. والقضايا وأنواعها، وفي وضع قواعد وشروط البرهان.
فالرأي الصحيح بنظر السفسطائيين هو الذي يمكن أن يُبرهن عليه وأن يقتنع الناس به، وبَرهن تعني أقنع في مذهبهم، بمعنى؛ بلوغ الغاية من الحجاج ألا وهو الإقناع، لأن عصب التفكير الفلسفي والفكر عموما، هو الحجاج. فالسفسطائيون لم يهتموا بدراسة الطبيعة وتجاوزوا إطار الفكر اليوناني السابق معتمدين طريقة ثورية في جوهرها لأنهم لم يهتموا بالمواضيع المجردة. لقد وُلدت معهم، وهي من الحاجات التي تَطَلبها الجدل والنقاش أمام الجمعيات والمحاكم الشعبية، لقد تمكنوا من امتلاك روح نقدية تشك في كل شيء شكاً بناءً لا شكاً هدّاماً. لقد رفضوا كل ما لا يُمكن البرهنة عليه، احتقروا التقاليد الأرستوقراطية البالية ونفوا وجود حقيقة فوق طبيعية أو خوارق، واعتبروا الشرائع واقعا بشريا وقالوا بتغييرها تبعا للظروف والأحوال.
واعتبروا الخطابة أو فن المقال خير ما يعبر عن الحقيقة الطبيعية والاجتماعية. لذلك شرعوا في تعليم الجدل في بيوت أغنياء أثينا ومنهم كالياس وكاليكليس، وفي بعض الأحيان كانوا يُلقون محاضراتهم في أماكن عامة لقاء أجر للدخول، وكانوا يستغلون المناسبات التي يجتمع فيها أكبر عدد من الناس ليعرضوا فنهم الخطابي المتوهج حِجاجا.
هذا الموقف السفسطائي على الصعيد الإيديولوجي وجد تبريره ودعامته في فكر هراقليدس حكيم الصيرورة والتغير، لذلك انطلقوا منه لبرهنة تعاليمهم واعتمدوا حينا على بعض ما جاء عند الحكيم بارمينيدس الذي أرجع أصل الوجود إلى الثبات.
كيف تكون الخطابة، التي تسمح بقول الشيء ونقيضه وإقناع الغير بهما علم العلوم أو خير ما يعبر عن الحقيقة؟
وكيف تكون الخطابة أسلوبا بلاغيا تبلغ الغاية النهائية وهي الإقناع؟
وما هي الآليات التي رافقت الخطابة عند السفسطائيين لآداء وظيفتهم الحجاجية؟
هذه الأسئلة وغيرها، سنجيب عليها في الجزء الثالث والقادم.



