“استراتيجية الماء الخاصة بالمكتب الشريف للفوسفاط: بين التأييد والانتقاد”

سليم لواحي ـ خريبكة
في ظل التغيرات المناخية العالمية والضغط المتزايد على الموارد المائية، تبنت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، الرائدة عالمياً في إنتاج الفوسفاط ومشتقاته، استراتيجية مائية طموحة تهدف إلى تحقيق الاستقلالية المائية الكاملة في أفق 2027، مع الاعتماد الحصري على المياه غير التقليدية، مثل مياه التحلية وإعادة التدوير. وقد نجحت المجموعة، من خلال فرعها “OCP Green Water”، في بلوغ هذا الهدف قبل سنتين من موعده، حسبما أُعلن مؤخراً خلال إطلاق مشروع أنبوب المياه J2K بين الجرف الأصفر وخريبكة.
مناصرو الاستراتيجية
يرى المؤيدون أن هذه الاستراتيجية تمثل نموذجاً رائداً للتدبير المستدام للموارد الطبيعية، إذ تسهم في تقليل الضغط على الموارد الجوفية والسطحية التي تشهد استنزافاً متزايداً، خاصة في المناطق الفلاحية، كما أن اعتماد تحلية مياه البحر على نطاق واسع لأغراض صناعية يساهم في الحفاظ على الماء الصالح للشرب لفائدة السكان، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الخضراء مثل أنابيب النقل ومحطات التحلية ووحدات المعالجة، وهو ما يخلق فرص شغل جديدة ويدفع الاقتصاد نحو التحول البيئي، فضلاً عن انسجام هذه الاستراتيجية مع التزامات المغرب الدولية في مواجهة التغير المناخي وتعزيز التكيف البيئي.
المنتقدون والتحفظات
في المقابل، يعبّر بعض الفاعلين في المجتمع المدني وعدد من الخبراء في البيئة عن تحفظاتهم بشأن هذه الاستراتيجية، مشيرين إلى التكلفة البيئية المرتبطة بعملية تحلية المياه، خصوصاً إذا تمت بالاعتماد على الطاقة الأحفورية، مما قد يؤدي إلى تعميق البصمة الكربونية، كما يطرح غياب مشاركة المجتمعات المحلية في القرار والتخطيط إشكالات تتعلق بالعدالة المائية ومبدأ الشفافية، ويعبرون عن تخوفهم من تكريس منطق “الاستقلال الصناعي على حساب العدالة الاجتماعية”، حيث قد تبقى مناطق مهمشة محرومة من الماء الصالح للشرب في الوقت الذي تُوجه فيه استثمارات ضخمة لتلبية حاجيات الصناعة، إضافة إلى محدودية الرؤية التشاركية، إذ تمضي المشاريع بوتيرة متسارعة دون حوار مجتمعي كافٍ أو إجراء تقييم بيئي مستقل.
بين الضرورة والمساءلة
من الواضح أن استراتيجية OCP المائية جاءت استجابة لحاجة ملحة تتمثل في الحفاظ على استمرارية الإنتاج الفوسفاطي في سياق مناخي صعب. لكنها تظل في حاجة إلى مزيد من التوضيح والشفافية في معايير الحكامة البيئية والاجتماعية. فبينما تُمثل نموذجاً طموحاً في الاستدامة، فإن ضمان إشراك المواطنين والمجتمعات المحلية، وتوسيع نطاق الاستفادة من الماء “الأخضر”، يعتبران عاملين حاسمين في تعزيز ثقة الرأي العام.
تعد استراتيجية الماء التي تنفذها مجموعة OCP نموذجاً جريئاً ومتقدماً في مجال الأمن المائي الصناعي، لكنها تطرح في الآن ذاته تحديات مرتبطة بالمساءلة الاجتماعية والعدالة البيئية. وبين مؤيد يرى فيها حلاً عملياً، ومعارض ينبه إلى آثارها الجانبية، يبقى مستقبل السياسة المائية رهيناً بمدى التوازن بين الفعالية الاقتصادية والإنصاف المجتمعي.



