افتتاحية | إعلامٍ نبحث عنه؟ أسفي حين تتحوّل المأساة إلى فرجة

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)
أيُّ إعلام هذا الذي يقتات على الدموع، ويتغذّى من صرخات المكلومين، ويجعل من الأزمات مسرحا للسبق الرخيص؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح مع كل فاجعة، ويعود بقسوة أكبر بعد حادثة أسفي، التي لم تسلم بدورها من تغطيات سقطت أخلاقيا قبل أن تسقط مهنيا.
في قلب الألم، حيث فقدان الأرواح وجراح العائلات التي لا تندمل، خرج علينا بعض من يُفترض أنهم “مراسلون” ليحوّلوا المأساة إلى مادة استهلاكية.
إن تصوير فيديو مع ابن غزلان، مولات الفخار التي جرفتها السيول في أسفي، ليس عملا صحافيا، بل فعل فجّ يلامس حدود القسوة، شاب مكلوم، فقد أمه، يعيش صدمة الفقد، فتنهال عليه الكاميرات والميكروفونات بدل أن تمتد إليه يد الدعم أو على الأقل يُترك لوجعه في صمت كريم.
الصحافة في زمن الأزمات ليست عدسة متوحشة تبحث عن أقسى مشهد، ولا ميكروفونا يُغري الضحية بالكلام تحت وطأة الصدمة. إن الصحافة مسؤولية، وحدودها الأخلاق قبل المهنية، ودورها أن تنقل الحقيقة دون انتهاك، وأن تُضيء الأسباب والمسؤوليات دون استباحة كرامة الإنسان، وأن تكون صوتا للضحايا لا عبئا إضافيا على آلامهم.
ما يحدث مع بعض التغطيات هو خلط خطير بين “الحق في الخبر” و“الاعتداء على الخصوصية”، ليس كل ما يمكن تصويره يُصوَّر، وليس كل ما يُقال يُبث! في لحظات الفقد، الصمت أحيانا أصدق من ألف سؤال، واحترام الألم أبلغ من أي “تصريح حصري”.
كشفت حادثة أسفي مرة أخرى هشاشة الوعي المهني لدى فئة من المشتغلين بالمجال، وأعادت طرح السؤال المؤلم: هل نبحث عن إعلام يخدم المجتمع أم عن محتوى يلهث وراء المشاهدات؟ إن الصحافة التي تفقد بوصلتها الأخلاقية تتحول من سلطة رابعة إلى عبء خامس على الضحايا.
نحتاج إلى إعلام إنساني، يعرف أن الكاميرا قد تجرح كما تداوي، وأن السؤال قد يكون خنجرا إذا وُجِّه في غير وقته، وإلى إعلام يعي أن دوره في الأزمات هو التنوير والمساءلة والدعم، لا الاستغلال والتشييء، وغير ذلك، ليس صحافة… بل إساءة لاسمها.



