مجتمع

نظام بلا مخاطب: معاناة المقاول الذاتي بين المنصة والبنك والإدارة

يناير.كوم – ياسين شريحي
يعاني عدد متزايد من المنخرطين في نظام المقاول الذاتي من إشكال يتكرر كلما ظهرت عقبة تقنية أو إدارية: من هو المخاطب المسؤول عن الحل؟ فبين المنصة الرقمية، والمؤسسات البنكية التي تشرف على التسجيل، والإدارات المتدخلة في الجوانب الجبائية والاجتماعية، يجد المقاول الذاتي نفسه في وضعية ضبابية، تتوزع فيها الاختصاصات بقدر ما تضيع فيها المسؤولية. النتيجة أن صاحب النشاط، الذي يفترض أن يستفيد من تبسيط المساطر، يتحول إلى باحث دائم عن باب يطرقه دون أن يتلقى جوابا حاسما.
عمليا، تبدأ المتاعب في الغالب بتفاصيل تبدو بسيطة: حساب لم يتم تفعيله، معطيات لا تظهر في الفضاء الشخصي، صعوبة في استخراج شهادة، خطأ في احتساب مستحق، أو عطب في التصريح، غير أن بساطة المشكل لا تعني سهولة الحل، لأن المقاول الذاتي سرعان ما يصطدم بواقع توزيع الأدوار بين المتدخلين. المنصة تحيل أحيانا على الجهة البنكية، وهذه الأخيرة تعتبر أن مهمتها انتهت عند التسجيل وفتح الحساب، فيما تبقى الإدارات المعنية بالتدبير الجبائي أو الاجتماعي بعيدة عن التفاعل المباشر والسريع مع الأعطاب المرتبطة بالنظام الرقمي. وهكذا يدخل المرتفق في حلقة مفرغة عنوانها الأبرز: لا أحد يتحمل المسؤولية كاملة.
هذا الوضع يطرح سؤال الحكامة أكثر مما يطرح سؤال النص القانوني. فالإطار المنظم للنظام موجود، والأهداف المعلنة واضحة، من إدماج للقطاع غير المهيكل، وتوسيع للوعاء الجبائي، وتمكين لحاملي المبادرات الفردية، لكن عند أول احتكاك بالممارسة، يظهر أن الهندسة المؤسساتية لم تحدد بدقة من يجيب، ومن يصحح، ومن يبت داخل أجل ملزم، وحين تغيب هذه السلسلة الواضحة، تتحول الرقمنة من وسيلة للتيسير إلى عنصر إضافي للتعقيد.
المقاول الذاتي لا يطلب امتيازات استثنائية، بل ينتظر خدمة عمومية منسجمة مع الوعود التي صاحبت إطلاق النظام، ينتظر مخاطبا معلوما، ومسارا واضحا للشكاية، وآجالًا معقولة للرد، وحلولًا عملية بدل تبادل الإحالات. فزمن الإدارة الرقمية يفترض أن يقلص المسافة بين المواطن والقرار، لا أن يوسع دائرة الضياع.
إن استمرار هذا الغموض من شأنه أن يمس الثقة في السياسات الموجهة لدعم المبادرة الفردية، فحين يشعر المنخرط بأن التسجيل سهل لكن المعالجة مستحيلة، تتولد لديه قناعة بأن العبء أكبر من الفائدة، لذلك فإن إصلاح الوضع لا يحتاج إلى خطابات جديدة بقدر ما يحتاج إلى ضبط المسؤوليات، وإحداث آلية مواكبة فعالة، وتوفير دعم تقني وإداري قادر على التدخل الفوري عند ظهور الأعطاب.
بدون ذلك سيبقى السؤال معلقا، يتردد في كل مرة: من المخاطب؟ وهو سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته، لأنه يعكس في جوهره حاجة المقاول الذاتي إلى إدارة تعترف به شريكا في التنمية، لا رقمًا إضافيًا في قاعدة البيانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى