ليست هذه صورا من قرية منسية في الهامش، بل من قلب خريبكة، عاصمة الفوسفاط، المدينة التي يفترض أن تكون نموذجا في البنية التحتية والتنظيم الحضري، فإذا بها تتحول، مع أول زخات مطر، إلى شبكة من البرك الآسنة والحفر المفتوحة التي تهدد سلامة المواطنين وممتلكاتهم.
تحولت الشوارع رئيسية إلى مصائد حقيقية للسيارات والراجلين، إسفلت مهترئ، غياب شبه تام لقنوات تصريف هذه المياه، وحفر تتكاثر كالفطر، في مشهد يعكس فشلا مزمنا في تدبير الصيانة والبنية التحتية، رغم الميزانيات التي تُصرف كل سنة تحت عناوين فضفاضة من قبيل “التأهيل الحضري” و“إعادة هيكلة الأحياء”.
في خضم هذا المشهد القاتم، يختصر تعليق حميد كرامي المصور الصحفي، حجم الغضب الشعبي قائلا: “هذه المشاهد لا تسيء فقط لجمالية خريبكة، بل تفضح سنوات من الإهمال وسوء التدبير. كيف يُعقل أن تتحول شوارع مركزية إلى برك من الوحل بعد كل مطر؟ وكيف يُترك الباعة الجائلون دون حلول حقيقية، فيُدفع بهم إلى احتلال الملك العمومي بدل إدماجهم في أسواق منظمة تحفظ كرامتهم وحق الساكنة في مدينة نظيفة وآمنة؟ خريبكة تستحق إدارة مسؤولة، لا ترقيعات موسمية ولا وعودًا تُغرقها أولى الزخات.”
وإذا كانت الحفر والبرك عنوانا لغياب الحكامة، فإن احتلال الملك العمومي من طرف “العربات” والبسطات العشوائية يكشف الوجه الآخر للفوضى. شوارع تحولت إلى أسواق مفتوحة، أرصفة محتلة بالكامل، حافلات تُجبر على المناورة وسط الاكتظاظ، وراجلون يغامرون بحياتهم بين العربات والسيارات، في ظل صمت مطبق للسلطات المحلية والجماعة الترابية.
غير أن الاكتفاء بالتنديد لم يعد كافيا، خريبكة تحتاج اليوم إلى قرارات شجاعة تبدأ بإطلاق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل الطرق المتضررة، وربط أي صفقة عمومية بدفتر تحملات صارم يضمن الجودة والمراقبة بعد الإنجاز، وليس فقط عند التدشين.
كما أن حل معضلة احتلال الملك العمومي يمر عبر إدماج فعلي للباعة الجائلين داخل أسواق نموذجية مجهزة، بدل مطاردات موسمية سرعان ما تعود بعدها الفوضى أقوى من ذي قبل. فهؤلاء الباعة ليسوا خصوما للمدينة، بل ضحايا تهميش مزمن يستحقون حلولا تحفظ كرامتهم وتنظم النشاط التجاري في الآن نفسه.
لا تحتاج خريبكة إلى مزيد من الوعود ولا إلى صور تذكارية عند افتتاح مشاريع لا تعمر شهرين، بل تحتاج إلى شوارع تحترم كرامة ساكنتها، وإلى مجلس جماعي وسلطات ترابية يدركون أن مدينة الفوسفاط تستحق أكثر من ترقيعات موسمية وبلاغات بلا أثر.