سياسةمجتمع

جيل Z 212 بين صوت مرتفع “أخنوش ارحل” وصمت الدولة حفاظا على هيبتها

يناير.كوم

شهدت الساحة المغربية خلال الأسابيع الأخيرة موجة غير مسبوقة من التفاعل الشبابي على مواقع التواصل الاجتماعي، قادها جيل جديد أطلق عليه رواد الإنترنت اسم جيل Z 212، في إشارة إلى شباب المغرب الجديد الذي سئم الصمت على حقوق يعتبرونها مهضومة من طرف حكومة الكفاءات كما تسمي نفسها، وفي ظل تشييد منشئات ترفيهية على حساب أساسيات الدولة من مستشفيات ومرافق يحتاجها المواطن المغربي.

إن هذا الجيل، الذي بدأ حراكه من الشاشات والمنصات الرقمية، أطلق صرخته العالية “أخنوش ارحل”، في لحظة تمرد رقمي تجاوزت الحدود الجغرافية والقيود السياسية، وأعادت إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين التعبير الشعبي والشرعية المؤسساتية.

اختار هذا الجيل أن يرفع صوته بطريقة مغايرة، عبر وسم “أخنوش ارحل” الذي اجتاح مواقع التواصل، ليعبر عن إحباطه من الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وليعيد النقاش حول دور الحكومة ومسؤولية الدولة في الاستجابة لتطلعات الشباب.

جيل جديد.. بأسلوب جديد

ما يميز جيل Z 212 ليس فقط جرأته في التعبير، بل أيضًا طريقته في الاحتجاج؛ فهو جيل لا يخرج بالضرورة إلى الشارع، بل يصنع الحدث من غرفه الصغيرة عبر “ديسكورد” بتنظيم لقاءات مع فاعلين سياسيين ومدنيين وحقوقيين بمستوى عالٍ، يناقش فيها الدولة بكل جرأة ويُظهر لها أن هذا الزمن زمن الشباب ليقود سفينة التنمية إلى بر الأمان بعقلية سياسية جديدة مرنة تساير العصر الحالي.

إنه جيل متصل بالعالم، واعٍ بلغة الصورة والإيقاع السريع، يقرأ السياسة من زاوية معيشه اليومي، ويقيس أداء الحكومة على أساس الغلاء، التشغيل، والتعليم، وليس على أساس الخطابات أو الإنجازات الرقمية المعلنة.

ويختلف جيل Z 212 عن الأجيال السابقة في أدواته وأساليبه؛ فهو لا ينتمي إلى تنظيمات حزبية أو نقابية، ولا يفضل الاحتجاج في الشارع وحده، بل اختار من العالم الافتراضي ساحة جديدة للنضال والمطالبة بحقوقهم الاجتماعية المشروعة، وقد استطاع هذا الجيل أن يصنع زخما شعبيا واسعا، ليبرهن أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة احتجاج وتأثير حقيقية في المغرب الجديد.

“أخنوش ارحل”.. شعار أم مؤشر اجتماعي؟

رغم بساطة الشعار، إلا أن دلالاته عميقة؛ فهو لا يستهدف شخص رئيس الحكومة فحسب، بل يعبّر عن تراكم الإحباط الشعبي اتجاه الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، وشعور فئات واسعة من الشباب بالتهميش وعدم الإنصات، فإن تحرك جيل Z 212 لم يكن بدافع أيديولوجي حسب قولهم، بل كان بدافع معيشي واقتصادي اعتبروه مأسوي، أفسد معيشهم منذ تولي الحكومة الحالية القيادة، معتبرين أن كل الوعود الانتخابية التي تبناها الحزب الحاكم وأغلبيته، لم تتحقق! وقد عمقت الهوة بينها وبين الشعب، مما دفع الأخير للخروج إلى الشارع ليُسمع صوته إلى العالم بأكمله وليس لحكومته.

فإن انتشار هشتاغ “أخنوش ارحل” يعكس في جوهره احتقانا اجتماعيا واقتصاديا أكثر مما يعكس عداء سياسيا مباشرا، فالشباب الذين رفعوا هذا الشعار لم يتحركوا بدافع حزبي أو أيديولوجي، بل بدافع إحساس عام بأن الوعود لم تتحقق، وأن الأسعار تواصل الصعود، دون مراعاة للقدرة الشرائية للمواطن، ما عمق الفوارق بين فئات المجتمع المغربي، إن هذا الاحتجاج الصامت في طبيعته، صاخب في صداه، يختزل إحباط جيل يشعر بأنه خارج معادلة القرار والفرص.

صمت الدولة.. حكمة أم تجاهل؟

في مقابل هذا الزخم الافتراضي، اختارت الدولة “بمختلف مؤسساتها” الصمت وضبط النفس، لم تنجر إلى الرد أو المواجهة، بل فضلت مراقبة المشهد عن بعد، إدراكا منها أن أي رد فعل متسرع قد يعطي للحراك حجما أكبر ويسقط هيبتها من جديد كما وقع في 20 فبراير والذي نراه تجاوبا سليما أنقذ البلد من نار الخريف العربي وليس الربيع، ويفتح باب التأويلات السياسية داخل الوطن وخارجه.

فهذا الصمت ليس بالضرورة أن يكون ضعفا، بل رسالة هدوء استراتيجي تسعى إلى الحفاظ على هيبة الدولة ومكانة المؤسسات، في زمن لم تعد السيطرة فيه ممكنة بالطرق التقليدية، لأن الفضاء الرقمي لا يدار بالقوة، بل بالذكاء والتفاعل الرصين.

صمت الدولة.. حكمة استراتيجية أم تجاهل؟

أمام هذا حراك جيل Z غير المسبوق، من جميع النواحي عبر فتح قنوات النقاش عبر المنصات الرقمية وبساحات المدن في الوقفات الاحتجاجية، اختارت مؤسسات الدولة الصمت وعدم الانجرار إلى المواجهة، هذا الصمت فسر من طرف البعض كعلامة ضعف، ومن طرف آخر كخيار حكيم يروم الحفاظ على هيبة الدولة وتوازنها في زمن تحكم فيه المنصات الرقمية وتفضح كل شيء، معتبرين أن هذا العالم سريع التقلب ولا يمكن الانسياق مع كل نشر تغريدة وتدوينة أو فيديو مصور، بل يستدعي الرزانة وفهم الأمور قبل اتخاذ قرار سياسي قد يسقط الدولة في الخطأ.

جيل يحتاج إلى الإصغاء لا إلى الإقصاء

إن حراك جيل Z لا يعد تهديدا، بل هو إشارة إنذار ناعمة، يعبر عن رغبة جيلٍ يريد أن يسمع صوته ويُعتبر داخل وطن دام لقرون، لا أن يُراقب فقط ويكبح صوته عبر الاعتقالات أو اتخاء إجراءات أمنية في حقهم لردعهم من أجل الصمت، فهذا الجيل لا يطالب بالمستحيل، بل يطالب بحقوقه المشروعة واعتراف واقعي بدوره وتحقيق مطالبه في التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية.

إن الرسالة الأعمق في “حملة أخنوش ارحل” هي أن جيل Z 212 يريد أن يُسمع صوته دون تجاهله داخل منظومة سياسة آلفت التسيير الأحادي دون مناقشة الشعب الركن الأساس في قيام الدولة، هذا الجيل لا يطلب بالضرورة التغيير الجذري، لكنه يطالب بفضاء يتيح له المشاركة في السياسات العمومية تراعي لغته وواقعه وتطلعاته، إنه جيل لا يخاف السلطة، لكنه يريد أن يشعر بوجودها إلى جانبه، لا فوقه، ويريد دولة قريبة منه، تفهم لغته وتستخدم وسائطه، لا أن تكتفي بخطاب فوقي تقليدي.

بين الصوت والصمت… معادلة توازن

ما جرى ويجري مع جيل Z 212 هو تحول مجتمعي أكثر منه حدث سياسي عابر؛ فالدولة اليوم أمام جيل ذكي يعرف ما له وما عليه، متصل، ناقد، لا يهاب التعبير، لكنه في الوقت نفسه محتاج إلى قناة تواصل مؤسساتية توازي حضوره الافتراضي.

بين صوته المرتفع “أخنوش ارحل” وصمت الدولة الحكيم، يقف المغرب أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الجيل الجديد والسلطة، بين التعبير الحر والاستقرار، في معادلة دقيقة عنوانها: الإصغاء لا يقل أهمية عن الهيبة.

في النهاية، يقف المغرب أمام تحد حقيقي تطرح فيه الدولة سؤالا عميقا: كيف تحافظ على هيبتها دون أن تغلق باب التواصل مع هذا الجيل المطالب بالتغيير؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى