
يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)
خريبكة، المدينة التي يفترض أن تكون مرفوعة على أكتاف الفوسفاط، تبدو اليوم وكأنها أسيرة نفس المورد الذي منحها الشهرة وجعل اسمها يتردد في العالم. إنها مفارقة مؤلمة: غنى تحت الأرض… وفقر فوقها.
من مفارقات هذا الإقليم أن خيرات باطنه تصدَّر لتمويل ميزانيات الدولة، بينما تظلّ شوارعه تبحث عن بصيص من عدالة مجالية غائبة منذ عقود.
غياب فرص الشغل.. عندما يصبح المستقبل وعداً فارغاً
البطالة هنا ليست رقماً في التقارير، بل واقع يومي يعيشه شباب فقد الإيمان بأن الغد سيحمل له وظيفة تحفظ كرامته. الإقليم الذي يحتضن أكبر شركة في البلاد لا يقدّم لأبنائه سوى فتات مناصب لا تكفي حتى لاحتواء طوابير المنتظرين. وبين حامل دبلومٍ بلا أفق وشابةٍ تتنقل بين الأبواب المغلقة، تتسع الفجوة بين ما يُعلن وما يُنجز.
المواطنون يفقدون الثقة… والمؤسسات تكتفي بالمظاهر
لم يعد سكان خريبكة ينتظرون الكثير من المجالس المنتخبة أو البرامج الرسمية. الوعود تتكرر، الخطابات تتجدد، لكن النتائج غائبة. ثقة المواطن تآكلت، ولم يعد يستسيغ نفس الوجوه التي تتبادل المقاعد دون أن تغيّر واقع الإقليم.
المؤسسات تبدو أحياناً كما لو أنها منشغلة بصراعاتها أكثر من انشغالها بحل أزماتها.
تنمية غائبة… واستثمارات بلا روح ولا أثر
ما يصل إلى الإقليم من استثمار يصل غالباً بلا رؤية، بلا ابتكار، وبلا قدرة على خلق تحول حقيقي في الاقتصاد المحلي. مشاريع تُدشّن ثم تُترك لتواجه مصيرها، ومبادرات تولد ميتة لأنها لا تراعي هوية المنطقة ولا حاجيات سكانها.
الإمكانيات تضيع بين بيروقراطية مُنهِكة وغياب حكامة تجعل التنمية مساراً لا شعاراً.
شباب خريبكة… أحلامهم خارج الحدود
في مدينة تُغلق في وجه أبنائها الأبواب، يصبح الحلم بالهجرة المشروع الأكثر واقعية.
المعضلة ليست في رغبة الشباب في تحسين حياتهم خارج الوطن، بل في أن مدينتهم لم تعد تمنحهم سبباً واحداً للبقاء.
هكذا يولد جيل يرى في الإقليم محطة انتظار قبل رحلة “الهروب الكبير”.
صراعات المنتخبين… مقبرة المشاريع
كم من مشروع تعطل؟
كم من فرصة ضاعت؟
وكم من مبادرة تم إفشالها فقط لأن هذا المنتخب لا يريد أن تُنسب الإنجازات لغيره؟
خريبكة لم تعد تتحمل هذا العبث. الصراعات الشخصية وتطاحنات المصالح تحوّل المشهد السياسي المحلي إلى ساحة تعطّل كل شيء، وتسمّم كل مبادرة، وتدفع الإقليم إلى مزيد من الجمود.
يتغير المسؤولون… ولا يتغير حال الإقليم
يتبدل الولاة والعمال، تُنتخب مجالس جديدة، لكن النتيجة واحدة: إقليم يدور في حلقة مفرغة.
السبب واضح: لأن التغيير لم يمسّ المنهجية، ولم يقترب من الجذور، ولم يعالج الاختلالات البنيوية التي جعلت خريبكة رهينة تراكمات طويلة.
خريبكة تستحق أكثر… بكثير
ليست خريبكة مدينة فاشلة، بل مدينة أُفشِلَت.
لديها ثروة وطنية، موقع استراتيجي، موارد بشرية، وتاريخ نضالي.
لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، إلى رؤية اقتصادية جريئة، وإلى مسؤولين يعتبرون المناصب تكليفاً لا غنيمة.
خريبكة لم تعد تحتاج إلى ترقيع… بل إلى ثورة في تدبيرها.



