
يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)
لم يكن خروج ساكنة حي الطاشرون القديم ببوجنيبة إلى إحدى القنوات الوطنية مجرد رد فعل عابر، بل كان صرخة جماعية بعد أن سُدّت كل الأبواب في وجوههم، فبعد مقال يناير.كوم الذي فضح واقع الحي في غياب قنوات الصرف الصحي ووجود منازل آيلة للسقوط تهدد سلامة الأسر، اختار المواطنون أخيرا كسر جدار الصمت، ونقل معاناتهم من الأزقة الضيقة إلى الفضاء العمومي.
ساكنة الحي عبّرت، بوضوح غير مسبوق، عن سخطها من غياب أي دور فعلي للمجالس المنتخبة، التي لم تتجاوز في نظرهم حدود الوعود الموسمية والتصريحات الفارغة؛ منازل متشققة تنتظر لحظة الانهيار، مياه عادمة تجري بين البيوت، وروائح تزكم الأنوف في زمن تُرفع فيه شعارات “التنمية” و“العدالة المجالية” دون أن تجد لها أثرا في هذا الحي المنسي.
وأمام هذا الوضع الذي يرقى إلى خطر حقيقي على الأرواح، طالبت الساكنة عامل الإقليم بالتدخل العاجل، لا عبر تقارير مكتبية ولا بلاغات بروتوكولية، بل بالوقوف شخصيا على حجم الكارثة التي يعيشونها يوميا، فالطاشرون القديم لم يعد يطلب مشاريع كبرى، بل يطالب بالحد الأدنى من الحق في العيش الكريم، قبل أن يتحول الإهمال المزمن إلى فاجعة جديدة تُضاف إلى سجل الصمت والتقاعس.

حي الطاشرون القديم ببوجنيبة: ذاكرة تُهدم ومسؤولون يتفرجون
ليس حي الطاشرون القديم مجرد تجمع سكني هامشي، بل هو أقدم حي في مدينة بوجنيبة، حي دشنه الملك الراحل محمد الخامس سنة 1941، ليكون شاهدا على مرحلة مفصلية من تاريخ المدينة المرتبط بنشأة استغلال الفوسفاط واستقرار أولى الأسر العاملة في هذا القطاع الحيوي. اليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود، يتحول هذا الحي التاريخي إلى أطلال صامتة، في مشهد يختزل سنوات من العبث وسوء التدبير.
وبعد مقال يناير.كوم الذي سلط الضوء على غياب قنوات الصرف الصحي ووجود منازل آيلة للسقوط، كما قلنا اضطرت ساكنة الطاشرون إلى الخروج للعلن عبر إحدى القنوات الوطنية، منددة بغياب دور المجالس المنتخبة المتعاقبة، التي تركت هذا الحي يغرق في الإهمال رغم قيمته التاريخية والرمزية. المجالس تعاقبت على تدبير الشأن المحلي دون أن تضع الطاشرون ضمن أولوياتها، إلى أن فقد الحي هويته وتلاشت معالمه واحدة تلو الأخرى.
طمس ساحة الطاشرون، التي كانت شاهدة على تاريخ الحي ونبضه الاجتماعي، لم يكن سوى البداية، بعدها جاء تخريب سقايات المياه القديمة التي شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية، ثم إعدام شجرة الكاليبتوس التي غرسها الملك الراحل محمد الخامس، في فعل رمزي لا يمكن اعتباره سوى جريمة في حق التاريخ والذاكرة والإنسان.
ولا يمكن الحديث عن مأساة الطاشرون دون تحميل المسؤولية للمكتب الشريف للفوسفاط، الذي تخلى عن حي بناه وسكنه مستخدموه الأوائل، والذين بفضل عرقهم وتضحياتهم شُيّدت ثروة الفوسفاط التي لا تزال تُدر المليارات. كيف يعقل أن يُترك هذا الحي، المرتبط عضوياً بتاريخ المؤسسة، أليس من الأجدر أن يلتفت المكتب الشريف للفوسفاط الى مدينة القرن، ويبرّ بمدينته الأم التي من باطنها استخرجت أول حفنة فوسفاط.
إن ما يعيشه حي الطاشرون اليوم ليس مجرد مشاكل بنية تحتية، بل هو مسار ممنهج لتجريد حي تاريخي من روحه ومعناه. لذلك، فإن هذه الوضعية تستدعي تدخلا عاجلًا من عامل الإقليم، ليس عبر تقارير إدارية باردة، بل بالوقوف شخصيا على حجم الخراب، ووضع برنامج استعجالي يعيد لهذا الحي ما سُلب منه من هوية وكرامة، قبل أن تضيع معلمة تاريخية كان ينبغي لكل مواطن بوجنيبة أن يفتخر بها.



