
يناير.كوم- ياسين شريحي (مدير النشر)
مع أولى التساقطات المطرية، تعود شوارع مدينة خريبكة لتغرق في البرك المائية، في مشهد بات يتكرر كل موسم دون حلول جذرية، رغم ما يفترض أن تحظى به عاصمة الفوسفاط من عناية خاصة تليق بثقلها الاقتصادي ودورها الاستراتيجي داخل المنظومة الإنتاجية الوطنية.
هذه البرك التي تحاصر الأحياء والشوارع الرئيسية ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكم سنوات من ضعف التخطيط وغياب الصيانة الحقيقية لقنوات تصريف المياه. أوراش تُفتح دون مراقبة صارمة، أشغال تُترك ناقصة، وإصلاحات ظرفية سرعان ما تنهار أمام أول اختبار مطري، لتحول المجال الحضري إلى فضاء غير آمن للراجلين والسائقين على حد سواء.
ويتحمل المجلس الجماعي بخريبكة قسطا وافرا من هذه الأزمة، في ظل غياب رؤية واضحة لإعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية، وضعف تتبع الأوراش، وترك شركات الاتصالات مثلا تغادر دون إعادة الحال إلى ما كان عليه. وهو ما يجعل المواطن يتساءل عن جدوى الميزانيات المرصودة للتأهيل الحضري، ما دامت النتائج الميدانية تؤكد فشلا مزمنا في التدبير.
وسط هذا الواقع، يظل دور المكتب الشريف للفوسفاط محل تساؤل كبير، فهذه المؤسسة التي تستخرج من تراب الإقليم ثروات بملايير الدراهم، وتستقبل وفودا دولية ومسؤولي شركات كبرى في زيارات ميدانية، هل ترضى عن هذه الصورة القاتمة لمدينة تُعد واجهتها غير المباشرة؟ وأين تتجلى مسؤوليتها الاجتماعية في إنقاذ المجال الحضري الذي يشكل حاضنتها المجالية؟
المفارقة المؤلمة أن المواطنين يؤدون الضرائب ورسوم السيارات، ويخضعون للفحص التقني والتأمين الإجباري، لكنهم يُجبرون في المقابل على السياقة وسط طرق مهترئة تتسبب يوميا في أعطاب ميكانيكية، وإتلاف ممتصات الصدمات وأجزاء أساسية من المركبات، وكأن السائق يُعاقَب مرتين: مرة بالاقتطاعات، ومرة بالإهمال.
وتعيش خريبكة اليوم تناقضا صارخا بين ثروة ضخمة تحت الأرض وهشاشة واضحة فوقها. مشاريع مؤجلة، أوراش متعثرة، وبنية تحتية لا ترقى لمستوى مدينة يفترض أن تكون قطبا اقتصاديا جهويا، في وقت تواصل فيه مدن أقل موارد تحقيق قفزات نوعية في التأهيل الحضري.
أما الساكنة، فقد انتقلت من مرحلة التذمر إلى حالة احتقان صامت. تلاميذ يتجاوزون البرك للوصول إلى مدارسهم، تجار يتضررون من عزوف الزبائن عن شوارع تحولت إلى مستنقعات، وسائقون يعيشون هاجس الأعطاب مع كل مطر. الجميع يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إلى متى ستظل خريبكة تؤدي ثمن ثروتها بدل أن تجني ثمارها؟
لقد تحولت البرك المائية من مجرد مشكل تقني عابر إلى مرآة تعكس عمق أزمة مدينة كاملة، تبحث عن إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية تُنهي زمن الترقيع وتفتح صفحة إنصاف طال انتظارها.



