الأجناس الكبرىمجتمع

تشغيل 2012… القرار الذي دفع المكتب الشريف للفوسفاط إلى الهروب من التوظيف المباشر؟

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)

منذ سنة 2011، تاريخ اندلاع الاحتجاجات الاجتماعية المتزامنة مع سياق “الربيع العربي”، دخلت علاقة شباب مناطق الفوسفاط – خصوصا خريبكة – بالمكتب الشريف للفوسفاط مرحلة جديدة، عنوانها العريض: من الأمل في الإدماج إلى الإحباط المزمن. فالشباب الذين خرجوا إلى الشارع لم يطالبوا بالمستحيل، بل بحق بسيط في الشغل داخل مؤسسة تستخرج ثروتها من أرضهم وتحقق أرباحا بمليارات الدراهم سنويا.
في البداية، حاول المكتب امتصاص الغضب بإطلاق برامج ظرفية مثل OCP Skills ابتداءً من 2012، وفتح باب التوظيف في دفعات محدودة. غير أن هذه الاستجابة سرعان ما تحوّلت إلى حل ترقيعي بدل أن تكون سياسة تشغيل مستدامة. فبعد سنوات قليلة، عاد منسوب الاحتقان إلى الارتفاع، ليس فقط بسبب محدودية المناصب، بل أيضا بسبب شعور واسع بأن من تم تشغيلهم لم يكونوا جميعا مؤهلين أو منخرطين فعليا في مردودية المؤسسة، وهو ما تؤكده اليوم مصادر متعددة داخل محيط الشركة التي تعتبر أن آخر دفعة نشيطة ومنتجة بشكل واضح تعود إلى سنة 2009.
هنا بدأت المفارقة الكبرى: بدل أن تُراجع OCP اختلالات الانتقاء والتكوين، اختارت الانسحاب التدريجي من التشغيل المباشر والتوجه المكثف نحو شركات المناولة، وهو ما حوّل آلاف الشباب إلى عمال هشّين، بلا استقرار مهني، وبأجور ضعيفة، ودون أي أفق للترقية أو الإدماج. لقد تحوّلت المناولة من حل تقني إلى سياسة ممنهجة لتقليص الالتزامات الاجتماعية، والنتيجة كانت كارثية على مستوى الثقة بين المؤسسة وساكنة الإقليم.
الأخطر من ذلك أن المكتب، رغم هذا التراجع الاجتماعي، ما يزال يفتح باب التشغيل في المناصب العليا والإدارية والتقنية المتقدمة، في الوقت الذي يُغلق فيه الأبواب في وجه أبناء الإقليم في المناصب القاعدية، وكأن الرسالة الضمنية هي: الفوسفاط ثروتكم… لكن مناصبه ليست لكم.
هذا الوضع يطرح سؤالا حارقا:
إلى متى سيدفع شباب خريبكة ثمن احتجاجات 2011؟ وإلى متى ستستمر الشركة في تجاهل أن البطالة المتفشية اليوم ليست خطرا اجتماعيا فقط، بل قنبلة زمنية تهدد الاستقرار المجتمعي والاقتصادي؟

حلول واقعية بدل الخطابات الفارغة

لم يعد مقبولا استمرار المكتب الشريف للفوسفاط في تبرير عجزه عن التشغيل المباشر بذرائع تنظيمية وتقنية، في الوقت الذي تتراكم فيه أعداد العاطلين داخل مدن تحتضن أكبر احتياطي للفوسفاط في العالم. فإذا كانت الشركة تعتبر نفسها غير قادرة على استيعاب دفعات جديدة، فإن أول مدخل للإصلاح يتمثل في الانتقال من منطق الاستغلال الأحادي إلى منطق التنمية المجالية المندمجة، عبر تخصيص جزء من أراضيها الشاسعة لإحداث مناطق صناعية حقيقية تستقطب استثمارات وطنية ودولية في مجالات واعدة كصناعة الكابلاج المرتبطة بالسيارات، والصناعات الغذائية، والنسيج الصناعي، بما يخلق مناصب شغل قارة بدل عقود المناولة الهشة.
وفي السياق ذاته، يفرض الواقع إعادة النظر في سياسة التكوين المعتمدة، التي ظلت في كثير من الأحيان شكلية ومنفصلة عن حاجيات السوق. المطلوب اليوم هو بناء شراكات فعلية بين المكتب ومقاولات صناعية كبرى، من أجل تكوين شباب الإقليم تكوينا عمليا موجها نحو الإدماج الفوري، لا نحو تضخيم أرقام المستفيدين دون أثر ملموس على البطالة.
كما أن ملف عمال المناولة يستدعي شجاعة مؤسساتية حقيقية، عبر وضع برنامج زمني واضح لإدماج جزء منهم داخل أسلاك المكتب، على أساس الاستحقاق والمردودية، بما يعيد الاعتبار لقيمة العمل ويُنهي حالة الهشاشة التي تحولت إلى قدر يومي لآلاف الأسر. وحدها مثل هذه القرارات الجريئة كفيلة بتحويل المكتب الشريف للفوسفاط من مجرد مستخرج للثروة إلى فاعل تنموي حقيقي، يعيد الثقة إلى شباب أنهكته سنوات الانتظار والوعود المؤجلة.
ما يجري اليوم في مناطق الفوسفاط ليس أزمة تشغيل فقط، بل أزمة ثقة تاريخية بين مؤسسة عمومية عملاقة وشباب يشعر بأن أرضه تُستنزف دون أن يُمنح حقه في الحياة الكريمة، فإما أن تنتقل OCP من منطق “إطفاء الحرائق” إلى منطق التنمية المندمجة، أو أن تظل الاحتجاجات تتجدد بأشكال مختلفة، لأن البطالة حين تطول، تتحول من مشكلة اجتماعية إلى تهديد وجودي للاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى