
بقلم: سليم لواحي
لم تكن الكارثة البيئية والفلاحية التي استفاقت عليها ساكنة جماعة “المفاسيس” بإقليم خريبكة مجرد حادث عرضي أو “قضاء وقدر” تقني؛ بل هي الإفراز الطبيعي لسياسة الاستعلاء والاستنزاف التي ينهجها المكتب الشريف للفوسفاط (OCP). إن انهيار أحواض الترسيب وفيضان مياه الغسل العادمة فوق أراضي الفلاحين البسطاء ليس مجرد خلل في الهندسة، بل هو عنوان بارز لـالاستهتار الممنهج بمقدرات المنطقة المائية وبقيمة الإنسان الذي يعيش فوقها.
تسونامي الأوحال: الأرباح أولاً.. والبيئة ثانياً
في الوقت الذي يتبجح فيه العملاق الصناعي (OCP) بتحقيق أرقام قياسية في الإنتاج والأرباح على المنصات الدولية، تتدفق مخلفاته الطينية “الصلصال” لتطمر هكتارات من الأراضي الزراعية في “المفاسيس” في لمح البصر.
هذا التدفق الفجائي يعكس بوضوح ضعف، بل وانعدام، معايير السلامة الحقيقية في المنشآت المحاذية للتجمعات السكنية. لقد وجد الفلاح البسيط نفسه أعزل في مواجهة “تسونامي طيني” جرف معه عرق السنين، وتحولت الحقول الخصبة إلى مستنقعات لزجة ميتة، فقط لأن الإدارة تفضل استثمار الملايين في التسويق الخارجي على حساب تأمين قنواتها ومخرجاتها الصناعية محلياً.
إبادة فلاحية ووأد للتربة
لم تتوقف الخسائر عند حدود الماديات، بل تعدتها لتشكل جريمة بيئية مكتملة الأركان في حق التنمية المستدامة بالمنطقة، تجسدت أولاً في إعدام المحاصيل وسرقة القوت اليومي للمواطن ، بعدما اختنقت زراعات الحبوب والمزروعات الربيعية تحت وطأة الرواسب الفوسفاطية مدمِّرةً الموسم الفلاحي بالكامل لمئات الأسر، لتليها مجزرة صامتة للمواشي بنفوق العشرات من رؤوس الأغنام والأبقار، الأمر الذي طعن الفلاح الصغير بتجريده من صمام أمانه الاقتصادي والوجودي، ولم يقتصر الأمر على الحاضر بل امتد للمستقبل عبر تخريب مستدام للتربة بفعل طبقة “الصلصال” المترسبة التي شكلت عازلاً سيخرج هذه الأراضي من الدورة الإنتاجية لسنوات طويلة، في عملية اغتيال ممنهجة للمستقبل الفلاحي للمنطقة لتئن تحت وطأة التلوث والتبعية.
الأنانية المائية: تجويع الفرشة المائية وتلويثها
تطرح هذه الكارثة علامات استفهام حارقة حول السياسة المائية للمكتب الشريف للفوسفاط. ففي زمن الجفاف الحاد وشح المياه الذي تعانيه بلادنا، يواصل المجمع استهلاك كميات فلكية من المياه لغسل الفوسفاط، ليكون الجزاء في النهاية هو إعادة تصدير هذه المياه للساكنة على شكل “سموم” تتسرب إلى فرشتهم المائية السطحية وتلوث آبارهم المتبقية.
رغم استراتيجية الماء الجديدة للفوسفاط وتأهيل محطات تطهير المياه العادمة في الفقيه بن صالح وخنيفرة وتحلية مياه البحر وبرنامج حملها في الانابيب لخريبكة إلا ان قطب خريبكة متأخر دائما في اطلاق هذه المشاريع المكلفة في وقتها المناسب .
إن استهتار المؤسسة يظهر في عدم اكتراثها بمصير المصادر المائية للساكنة؛ إذ لم يكفِ المجمع تجفيف المنطقة مائياً لخدمة مصالحه، بل عمد إلى تلويث ما تبقى من مياه صالحة للشرب وسقي الماشية، ناهيك عن خطر الغبار الدقيق الذي سينتشر بعد جفاف هذه الأوحال ليصيب صدور الأطفال والمسنين بالأمراض التنفسية.
الغضب ضد “الاستعمار البيئي” ومطالب العدالة
حالة الاحتقان والغضب العارم التي تسود جماعة المفاسيس اليوم هي رد فعل طبيعي على سياسة “الآذان الصماء” والتعالي التي يتعامل بها (OCP) مع محيطه. الساكنة اليوم لا تطلب استجداءً، بل تطالب بانتزاع حقوقها المشروعة:
-
المحاسبة وفتح التحقيق لتحديد المسؤوليات ومعاقبة الجهات المقصرة داخل المجمع التي تهاونت في صيانة أحواض الموت هذه.
-
التعويض الكامل واللامشروط لجبر ضرر الفلاحين فوراً وبشكل يتناسب مع حجم الكارثة وفقدانهم لمصادر عيشهم.
-
الاستصلاح الشامل على نفقة المجمع وإجبار الـ OCP على استخدام آلياته وضخ ميزانيات لإزالة الأوحال وإعادة الحياة للتربة الملوثة.
خريبكة اليوم تقول : كفى استهتاراً بالإنسان وبالأرض
إن كارثة المفاسيس تعري زيف الشعارات البراقة حول “المسؤولية الاجتماعية والبيئية” للمكتب الشريف للفوسفاط. لا يمكن أن يستمر هذا التناقض الصارخ: شركات تحقق المليارات وتصنع مجدها العالمي، وقرى محيطة بها تحصد الموت والخراب والتهميش. إن كرامة المواطن وحقه في بيئة سليمة وفي قطرة ماء نظيفة حق مشروع وثابث. هذه ليست أضراراً جانبية يمكن التغاضي عنها، بل هي الخط الأحمر الذي يجب أن تتوقف عنده غطرسة الآلة الصناعية للفوسفاط.



