مجتمع

قفة رمضان ببوجنيبة… هل يتدخل عامل إقليم خريبكة لرفع اللبس واستعادة الثقة؟

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)
في كل موسم رمضاني، تتجدد صور التضامن والتكافل داخل المجتمع المغربي، حيث تتحول “قفة رمضان” إلى رمز اجتماعي نبيل يعكس قيم التآزر ومساعدة الفئات الهشة. غير أن ما شهدته مدينة بوجنيبة هذه السنة يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود هذا العمل الخيري، وما إذا كان قد ظل وفيًا لروحه التضامنية، أم أنه انزلق نحو توظيفات أخرى تثير القلق وتستدعي المساءلة.
في ظل الجدل الذي رافق عملية توزيع “قفة رمضان” بمدينة بوجنيبة، يبرز اسم عامل إقليم خريبكة في صلب النقاش العمومي، باعتباره المسؤول الأول عن ضمان احترام القانون والسهر على شفافية مثل هذه المبادرات ذات البعد الاجتماعي. فبين تساؤلات الساكنة وتنامي الشكوك حول طريقة تدبير العملية، تتجه الأنظار إلى مدى تدخل السلطات الإقليمية لفهم حيثيات ما جرى، وترتيب المسؤوليات، وإعادة الأمور إلى نصابها بما يحفظ ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
إن الجدل الذي رافق توزيع جماعة بوجنيبة، ما يقارب 900 قفة لم يكن وليد فراغ، بل تغذى من معطيات متداولة بين الساكنة والمتتبعين، تشير إلى غياب معايير واضحة في تحديد المستفيدين، وعدم اعتماد السجل الاجتماعي الموحد، الذي بات يشكل آلية رسمية لضمان الاستهداف العادل والدقيق للفئات المستحقة.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل تقني، بل هو في العمق مؤشر على خلل في منهجية التدبير، خاصة وأن الدولة نفسها اعتمدت هذا السجل في مبادرات مماثلة، من قبيل قفة محمد الخامس، بما يضمن الشفافية والإنصاف.
ما زاد من حدة الجدل هو الطريقة التي قيل إن عملية التوزيع تمت بها، في أوقات متأخرة من الليل، مع اشتراط الإدلاء بالبطاقة الوطنية قبل تسليم القفة، وهي ممارسات تخرج عن المألوف في مثل هذه المبادرات ذات الطابع الإنساني، وتفتح الباب أمام تأويلات متعددة، أقلها أنها تعكس ارتباكا في التنظيم، وأكثرها أنها توحي بإمكانية توجيه العملية وفق اعتبارات غير معلنة. وبين هذا وذاك، يجد المواطن نفسه أمام مشهد ضبابي، يصعب فيه التمييز بين العمل الخيري الحقيقي، والممارسات التي قد تشوبه.
في خضم هذا الوضع، يبرز دور عامل إقليم خريبكة باعتباره الضامن لاحترام القانون وحسن سير المرافق العمومية، والمسؤول عن تتبع مثل هذه المبادرات حينما تكتسي طابعًا عموميا أو تهم شريحة واسعة من المواطنين.
فالمطلوب اليوم ليس فقط فتح تحقيق إداري في حيثيات ما جرى، بل أيضا مساءلة الجهة المشرفة عن معايير الانتقاء، والتأكد من مدى استحقاق المستفيدين، وكشف ما إذا كانت العملية قد احترمت مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، أم أنها انزلقت نحو منطق آخر يضر بصورة العمل الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن ينجم عن مثل هذه الوقائع ليس فقط حرمان بعض المستحقين من حقهم، بل ضرب الثقة في المبادرات التضامنية برمتها. فعندما يشعر المواطن بأن “القفة” قد تتحول إلى أداة للتمييز أو الاستمالة، فإن قيم التضامن نفسها تصبح موضع شك، ويتحول العمل الخيري من وسيلة للتقريب بين الناس إلى عامل إضافي للاحتقان، لذلك، فإن إعادة الاعتبار لهذه المبادرات يمر حتما عبر ترسيخ قواعد الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد آليات شفافة في الاستهداف، وعلى رأسها السجل الاجتماعي الموحد.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بقفة رمضان في حد ذاتها، بل بصورة أوسع بكيفية تدبير الشأن المحلي، وبالحد الفاصل بين ما هو اجتماعي خالص وما قد ينزلق نحو توظيف سياسي مبكر. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقا: هل سيتم تدارك ما وقع بما يعيد الثقة إلى الساكنة، أم أن الصمت سيكرس مزيدا من الشكوك في زمن لم يعد يقبل الغموض؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى