أخبار التعليم والجامعاتالأجناس الكبرىمجتمع

حين يغلق القانون آخر الأبواب: من مسؤول عن صناعة بطالة الدكاترة؟

يناير.كوم

لم يكن حذف المقتضى المتعلق بتمكين الطلبة الدكاترة في القانون والشريعة من الولوج إلى مهنة العدول دون مباراة مجرد تفصيل تقني في مشروع قانون خطة العدالة، بل كان شرارة أعادت طرح سؤال أكبر وأعمق: هل تتحرك التشريعات اليوم في اتجاه بناء الثقة وتحسين فرص الإدماج، أم نحو تكريس الإقصاء وإنتاج بطالة نخبوية جديدة؟

ففي الوقت الذي ينتظر فيه مئات الدكاترة مناقشة أطروحاتهم، جاء القرار كصدمــة غير متوقعة، ليس فقط لأنه ألغى امتيازاً قانونياً تمت الإشارة إليه سابقاً، بل لأنه رسّخ لدى هذه الفئة شعوراً بأن الأبواب تُغلق واحدة تلو الأخرى دون بدائل واضحة، وأن الدولة نفسها تشجع المسار الأكاديمي من جهة، ثم تضيق على أصحابه منافذ الاندماج من جهة أخرى.

ضرب للاستقرار التشريعي وثقة الجامعة

ليست المشكلة في المباراة في حد ذاتها، بل في غياب رؤية انتقالية تحترم المبدأ الأساسي للاستقرار التشريعي. فالقانون لا يصنع فقط قواعد، بل يصنع توقعات مشروعة. وما وقع يؤشر إلى تحول مفاجئ دون مراعاة لمصير دفعات قطعت سنوات من البحث والتكوين، كانت ترى في مهنة العدول أحد المسارات المتاحة بعد تقلص فرص الإدماج الجامعي وتجفيف مناصب المهن القانونية.

إن الرسالة التي التقطها الطلبة واضحة: الدولة تدفعك لاجتياز أعلى درجات التحصيل، لكنها لا تلتزم بفتح أبواب تستوعب هذا الجهد.

صناعة بطالة عليا بثمن اجتماعي باهظ

القرار لا يمكن فصله عن سياق أوسع:

– تجميد غير معلن في التوظيف الجامعي

– تقلص مسالك الإدماج في القضاء والمحاماة

– إغلاق متتالٍ لفرص الولوج للمهن القانونية المنظمة

وهكذا يتحول الدكتوراه، وهو أعلى شواهد الدولة، إلى شهادة بلا امتداد مهني، في مقابل نزيف متزايد لهجرة الكفاءات نحو الخارج. إنها بطالة نوعية لا تمس الأفراد وحدهم، بل ترهق ميزانية الدولة التي موّلت تكوينهم، وتفقد المجتمع خبرات كان يمكن أن تطور منظومة العدالة والتوثيق بدل تركها في دائرة الجمود.

تناقض صارخ مع خطاب الإصلاح

كيف يمكن التوفيق بين:

– دعوات تحديث مهنة العدول

والحديث عن رقمنة التوثيق

والحاجة إلى خبرات علمية وقانونية عالية

وفي الوقت ذاته إقصاء الفئة الأكثر تأهيلاً لقيادة هذا التحول؟

إن تحديث المهنة لا يمكن أن يتم بالآليات القديمة نفسها، ولا بتكريس منطق “من يشغل المكان هو نفسه من يقرر من يدخل إليه”. الإصلاح الحقيقي لا يخاف من الكفاءة، بل يستدعيها.

الإصلاح لا يكون بإغلاق النوافذ

إن العدول اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء موقعهم داخل منظومة العدالة، لكن ذلك لن يتحقق بإقصاء الدكاترة، ولا بإلغاء المكتسبات، بل بفتح باب الاستحقاق العادل، مع آليات إدماج تراعي المرحلة الانتقالية وتثمن البحث العلمي بدل تبخيسه.

فالدول لا تُقاس بعدد قوانينها، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة، لا إلى طابور انتظار طويل على بوابة المجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى