الأجناس الكبرىمجتمع

افتتاحية | فيضانات أسفي… حين تكشف الكارثة هشاشة التدبير

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)

لم تكن فيضانات أسفي مجرد حدث عابر فرضته التقلبات المناخية، بل كانت مرآة صادمة عكست أعطابا عميقة في التخطيط الحضري، وارتباكا مقلقا في منظومة التدبير الاستباقي للمخاطر.

تحولت في ساعات قليلة، شوارع المدينة إلى مجارٍ مائية، وتسللت المياه إلى البيوت والمحلات، حاملة معها أسئلة ثقيلة عن المسؤولية، والجاهزية، وحدود الوعود الرسمية.

أسفي، المدينة التي تعرف تضاريسها ومسالكها ومناطق هشاشتها، لم تُفاجأ بالمطر، بل فُوجئت بضعف البنية التحتية التي لم تصمد أمام تساقطات كان من الممكن توقعها والتخطيط لها، وقد بدت شبكات الصرف عاجزة أمام سيول المياه، والمجاري مختنقة، والمناطق المنخفضة تُركت لمصيرها، كأن دروس الفيضانات السابقة لم تكن كافية لإيقاظ الضمير التدبيري.

الفيضانات، في جوهرها، ليست كارثة طبيعية فقط، بل هي نتيجة تراكم اختلالات بشرية: توسع عمراني غير منضبط، غياب صيانة دورية للبنيات التحتية، ضعف التنسيق بين المتدخلين، وتأخر في تفعيل آليات الإنذار والتدخل السريع، وحين يدفع المواطن ثمن هذه الأعطاب من أمنه وممتلكاته، يصبح الصمت الرسمي تواطؤًا غير معلن.

ما وقع في أسفي يفرض اليوم أكثر من بيانات تطمين أو وعود عابرة، يفرض محاسبة حقيقية، وتقييما شجاعا لسياسات التهيئة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن منطق “القضاء والقدر”، كما يفرض إشراك الخبرة العلمية والمجتمع المدني في بناء تصور وقائي يحمي المدينة وساكنتها من تكرار السيناريو نفسه.

إن فيضانات أسفي جرس إنذار جديد، فإما أن يُلتقط بجدية ويُترجم إلى إصلاحات ملموسة، أو يُترك ليغرق في أرشيف الكوارث المنسية، في انتظار مطر آخر، وخسائر أكبر، وأسئلة أشد إيلاما.

وفي هذا السياق، تمتدّ دقّات الخطر إلى مدن داخلية أخرى مرشّحة بدورها لمواجهة تساقطات مطرية قوية خلال الساعات والأيام المقبلة، من بينها خريبكة وبرشيد ومدن مجاورة.

أظهرت التجارب السابقة أن هذه الحواضر تعاني بدورها من هشاشة شبكات تصريف المياه، وانتشار نقط سوداء تتحول سريعا إلى بؤر فيضانية عند أول اختبار حقيقي للأمطار، وهو ما يستوجب رفع درجة اليقظة، وتسريع عمليات تنظيف البالوعات والمجاري، وتعبئة فرق التدخل الاستباقي، مع تحذير الساكنة من مخاطر التنقل في الفضاءات المنخفضة والأودية، فإن الأمطار المقبلة، وإن كانت نعمة في جوهرها، قد تتحول إلى خطر داهم إن استمرت سياسة الانتظار وردّ الفعل بدل الاستباق والوقاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى