الأجناس الكبرىمجتمع

التشغيل في إقليم خريبكة… ثروة الفوسفاط في جهة والبطالة في الجهة الأخرى

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)

يشكل التشغيل في إقليم خريبكة نقطة سوداء يجب معالجتها بدل أن ينتظر الخريبكي وعودا موسمية لا تسمن ولا تغني من بطالة، في إقليم يختزن واحدة من أكبر ثروات البلاد، لكنه يعجز عن تحويل الفوسفاط إلى فرص شغل حقيقية ومستدامة لشبابه، فبين ملفات التوظيف المركونة، والمباريات المحدودة، وهيمنة منطق الوساطة والزبونية، يتحول حلم الشغل إلى مسار شاق مليء بالإحباط، فيما تستمر الهجرة الصامتة نحو مدن أخرى بحثا عن الحد الأدنى من الكرامة المهنية.

يعيش اليوم إقليم خريبكة وضعا لا يقتصر على بطالة ظرفية، بل يعكس أزمة تشغيل بنيوية؛ أعداد كبيرة من حاملي الشهادات يتسكعون بين المقاهي والأزقة، في وقت يفترض فيه أن يكون هذا الإقليم قطبا اقتصاديا وطنيا، بحكم ما يختزنه من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي يؤهله ليكون منصة صناعية واعدة.

يقول (م.س)، الحاصل على شهادة الماستر في الاقتصاد، إن قصته مع البطالة بدأت مباشرة بعد تخرجه، حين كان يعتقد أن أبواب الشغل ستُفتح أمامه بسهولة داخل إقليم يختزن ثروة الفوسفاط.

ويضيف أنه طرق كل الأبواب، من المباريات العمومية إلى شركات المناولة، دون جدوى، ليصطدم في النهاية بحقيقة مُرّة مفادها أن الكفاءة وحدها لا تكفي في سوق تتحكم فيه العلاقات والوساطات، موجّها كلامه للمسؤولين بنبرة حادة: “لسنا أرقاما في تقاريركم، نحن طاقات تضيع كل يوم، ومن العار أن يُقصى أبناء الإقليم من خيرات تُستخرج من أرضهم”.

ويروي (ع.ر)، حامل دبلوم متخصص في الكهرباء، أن حلمه بالاستقرار المهني انهار بعد سنوات من التكوين والتدريب، حين وجد نفسه يتنقل بين أوراش مؤقتة وعقود هشة لا تضمن كرامة ولا مستقبلا.

 ويؤكد أن شركات المناولة تستغل حاجة الشباب وتفرض شروطا مجحفة، إن استطعت أصلا الحصول على فرصة معها بإحدى الوساطات أو غيرها، دون أي أفق للإدماج القار، موجّها بدوره رسالة صارخة قائلا: “نريد عملًا يحفظ كرامتنا، لا صدقات ولا وعودًا فارغة، إقليم خريبكة يستحق أكثر من هذا العبث بمستقبل شبابه”.

 وإن دور المكتب الشريف للفوسفاط في الحضور الاجتماعي والتشغيلي في إقليم خريبكة، يتراجع بشكل ملحوظ خاصة بعد سنة 2011، ورغم دوره التاريخي في تنمية الاقتصاد الوطني، فقد تحوّل من مشغّل مباشر لأبناء الإقليم إلى مؤسسة تعتمد على شركات المناولة، التي تستفيد من الثروة دون أن تضمن إدماجا حقيقيا ومستداما للشباب المحلي، فيما تبقى برامج التكوين والإدماج محدودة الأثر، أقرب إلى واجهات تواصلية منها إلى حلول جذرية.

تتأكد مسؤولية المجالس المنتخبة، التي لم تستطع إلى اليوم بلورة رؤية ترابية متكاملة للتشغيل داخل إقليم خريبكة، فالبرامج التنموية غالبا ما تُختزل في تعبيد طرق أو تشييد بنايات إدارية، بينما يغيب الاستثمار المنتج القادر على خلق مناصب شغل قارة، وتظل مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عاجزة عن تحويل الدعم إلى دينامية اقتصادية حقيقية.

يعيش شباب إقليم خريبكة بين خيارين أحلاهما مرّ: البطالة القاتلة أو الهجرة نحو مدن أخرى، بحثا عن فرصة قد لا تأتي! هذا النزيف البشري لا يُضعف فقط النسيج الاجتماعي، بل يكرّس فقدان الثقة في المؤسسات ويغذي الاحتقان الصامت الذي قد ينفجر في أي لحظة.

يفرض هذا الواقع الانتقال من الخطابات الفضفاضة إلى إجراءات ملموسة، في مقدمتها خلق منطقة صناعية حقيقية مرتبطة بسلسلة الفوسفاط، من تحويل وتصنيع وأسمدة وصناعات كيميائية.

 كما يجب إلزام الشركات المتعاقدة مع المكتب الشريف للفوسفاط بنسبة تشغيل محلية واضحة وشفافة، مع دعم المقاولات الشبابية بتمويل فعلي ومواكبة تقنية حقيقية، وربط التكوين المهني بحاجيات سوق الشغل داخل الإقليم، إلى جانب جلب الاستثمار إلى إقليم خريبكة عبر تحفيزات ضريبية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسويق الإقليم كوجهة صناعية واعدة بدل اختزاله في دوره المنجمي فقط.

يؤكد هذا الواقع أن إقليم خريبكة لا يطلب صدقة من أحد، بل يطالب بحقه المشروع في الثروة التي تُستخرج من أرضه، وفي فرص الشغل التي تحفظ كرامة أبنائه، فإما أن يتحول هذا الإقليم إلى نموذج تنموي حقيقي، أو يستمر في أداء فاتورة الفوسفاط بطالةً وتهميشًا وانتظارا بلا نهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى