مجتمع

شركة صينية بدل فوضى المناولة بالمكتب الشريف للفوسفاط… إصلاح جذري أم التفاف جديد على حقوق العمال؟

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)
بعد سنوات من التسيب وسوء التسيير في ملف أداء مستحقات الضمان الاجتماعي لعمال شركات المناولة المتعاقدة مع المكتب الشريف للفوسفاط، وما رافق ذلك من اختلالات خطيرة طالت الحقوق الاجتماعية والمهنية للمستخدمين، تفجّرت موجات من الاحتجاجات عبّرت بوضوح عن عمق الأزمة الاجتماعية داخل أحد أكبر القطاعات الاستراتيجية بالمملكة. أزمة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج تراكم ممارسات غير مسؤولة، وتعدد فاعلين دون محاسبة فعلية، وتراجع واضح لمنطق الرقابة والحكامة الاجتماعية.
لقد عانى عمال المناولة من غياب الاستقرار المهني، وعدم الانتظام في التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأحياناً التصريح بأجور غير حقيقية، فضلاً عن التأخر أو الامتناع عن أداء المستحقات القانونية. هذا الوضع خلق شعوراً واسعاً بالحيف، وكرّس هشاشة اجتماعية تتنافى مع مكانة المؤسسة ودورها الاقتصادي، ما جعل الاحتجاج الخيار الوحيد أمام فئة واسعة من المستخدمين للدفاع عن حقوقهم الأساسية.
في خضم هذا الاحتقان، طُرح خيار التعاقد مع شركة واحدة، حسب مصادر يناير.كوم، قيل إنها صينية، لتجميع جميع عمال المناولة تحت لوائها، في محاولة للحد من الفوضى التنظيمية وضبط المسؤوليات، مع وعود بتحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية في الأشهر القليلة المقبلة. خطوة اعتبرها البعض تحوّلاً في طريقة تدبير الملف، خصوصاً إذا ما قورنت بنموذج تعدد شركات المناولة الذي أثبت فشله في حماية حقوق العمال وضمان التزاماتهم الاجتماعية.
من حيث المبدأ، قد يساهم هذا التوجه في توحيد المسؤولية القانونية، وتسهيل المراقبة، ووضع حد لتشتت الالتزامات بين عدة شركات، كما قد يخلق مخاطباً واحداً واضحاً أمام الإدارة والعمال معاً. غير أن هذه الإيجابيات المحتملة تظل رهينة بطبيعة العقد الجديد، وصرامة دفتر التحملات، ووجود آليات فعلية للتتبع والمحاسبة، بعيداً عن منطق التدبير التقني الضيق للأزمة.
في المقابل، يثير هذا الخيار مخاوف حقيقية لدى المستخدمين، تتعلق بإمكانية إعادة إنتاج نفس الاختلالات السابقة ولكن بصيغة أكثر تركيزاً، خاصة إذا طغى منطق الإنتاج وخفض الكلفة على حساب الحقوق الاجتماعية.
كما أن اختيار شركة أجنبية، مهما كانت خبرتها، لا يشكّل في حد ذاته ضمانة لتحسين الأوضاع، ما لم يقترن بالتزامات واضحة، واحترام صارم لقانون الشغل، وضمان انتقال الحقوق المكتسبة دون نقصان.
إن وضع حد فعلي لما وُصف بـ”العبث” في تدبير هذا الملف، لا يمر فقط عبر تغيير المتعهد، بل عبر إرساء مقاربة جديدة قوامها الاعتراف بحقوق عمال المناولة كاملة، والتصريح الفوري والشامل بهم، وأداء جميع المستحقات الاجتماعية دون تسويف، وفتح قنوات حوار حقيقية مع ممثليهم. دون ذلك، سيظل أي حل مطروح مجرد مسكن ظرفي لامتصاص الغضب، لا معالجة جذرية لأزمة اجتماعية تمس جوهر العدالة الاجتماعية داخل قطاع استراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى