سياحة و سفرمجتمع

من مدرجات الملاعب إلى دفء القرى المغربية.. خالد العليان يعيد اكتشاف المغرب بعيون إنسانية

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)

لم يكن حضور خالد العليان إلى المغرب مجرد محطة عابرة في رزنامة أسفاره، ولا تجربة تصوير تُختزل في لقطات جميلة للعودة بها إلى منصات التواصل. جاء بخلفية مهنية راكمها في مجال التصوير الفني بالمملكة العربية السعودية، وباسم صار مألوفاً في تغطية أحداث رياضية كبرى، لكنه هنا اصطدم بحقيقة مختلفة: المغرب ليس فقط ملاعب ومباريات، بل بشر وحكايات ودفء لا تمنحه الكاميرا وحدها.

كان من المفترض أن تقتصر رحلته على مواكبة منافسات كأس إفريقيا للأمم، غير أن انجذابه العفوي للفضاءات البعيدة عن الواجهات السياحية المعلبة دفعه إلى تغيير المسار، فاتجه نحو المغرب العميق، حيث الحياة تُعاش ببساطتها الأولى، وحيث العلاقات الإنسانية لا تحتاج إلى مواعيد ولا إلى تصنع، في تلك القرى المنسية من خرائط الضوء، لم يعد خالد ضيفا يمر مرور الكرام، بل صار اسما مألوفا في تفاصيل يومية صغيرة، يشارك الناس خبزهم وابتساماتهم، ويوثق لحظات تختصر معنى الانتماء قبل أن تختصر معنى السفر.

نعم خالد لم يأتي إلى المغرب كباقي صناع المحتوى الذين يمرون مرور الكرام، يلتقطون صورا سريعة ويغادرون بحثا عن وجهة جديدة. جاء مصورا محترفا، يحمل خلفية قوية في توثيق اللقطات الفنية في السعودية، وشهرة مكنته من تغطية مباريات عالمية، لكنه في المغرب وجد ما هو أعمق من الكرة والكاميرا: وجد الإنسان.

في الأصل، كان حضوره لتغطية منافسات كأس إفريقيا للأمم، غير أن سحر البلاد خطف قلبه، فقرر أن يبتعد عن المسارات الجاهزة ويغوص في المغرب العميق، حيث البساطة عنوان الحياة، وحيث الكرم لا يحتاج إلى مواعيد ولا إلى بروتوكول؛ هناك، لم يكن خالد مجرد زائر، بل صار جزءا من المشهد اليومي لقرى نائية لا تصلها الأضواء.

أكثر اللحظات تأثيرا، ذلك المقطع الذي وثّق لقاءه بأطفال حاولوا مساعدته ودعوه بكل عفوية للمبيت عندهم. مشهد صغير في حجمه، لكنه كبير في رمزيته، لأنه لخص جوهر الإنسان المغربي: قلب مفتوح قبل السؤال عن الاسم أو اللغة أو الجنسية، ولم يتوقف خالد عند حدود التصوير، بل عاد ليُفاجئ هؤلاء الأطفال بهواتف فاخرة لم تكن ضمن أحلامهم، ليحوّل لحظة عابرة إلى ذكرى ستظل راسخة في ذاكرتهم وذاكرة كل من شاهد الفيديو.

ما يقدمه خالد العليان يتجاوز فكرة “المؤثر” بالمعنى الاستهلاكي للكلمة، هو ينقل للملايين صورة المغرب الحقيقي، المغرب الذي لا يظهر في الإعلانات ولا في الحملات الرسمية، مغرب القرى البسيطة والوجوه الصادقة والإنسانية الدافئة.

وبهذا، يساهم خالد العليان بطريقته الخاصة في التعريف ببلدنا، وفي تغيير نظرة الكثيرين إليه، بشكل أكثر صدقاً وعمقاً من أي ترويج تقليدي.

نحن لسنا ضد صناع المحتوى، بل نرحب بكل من يأتي ليكتشف المغرب بحب واحترام، لكننا نميز جيدا بين من يبحث عن “البوز” العابر، ومن يترك أثرا حقيقيا في القلوب، وخالد العليان، بما يقدمه اليوم، يثبت أنه من الصنف الثاني: إنسان قبل أن يكون مصوراً، ورسول محبة قبل أن يكون مؤثرا.

وفي خضم هذا التفاعل الواسع مع مبادرات خالد العليان، يبرز مطلب مشروع يتقاسمه عدد كبير من المتابعين والمهتمين بالشأن الثقافي والسياحي، يتمثل في دعوة وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وكذا وزارة السياحة، إلى الالتفات إلى هذا الشاب وتكريمه تكريما يليق بما قدّمه للمغرب من صورة مشرقة وصادقة بعد نهاية كأس إفريقيا. فالرجل لم يروّج للبلد بعقود إشهارية ولا بحملات مدفوعة، بل قدّم أبلغ دعاية للمغرب بإنسانيته وعفويته واحترامه لساكنة المغرب العميق، وهو ما يستحق اعترافا رسميا يكرّس ثقافة الامتنان، ويبعث برسالة واضحة لكل صناع المحتوى بأن المغرب يثمّن من يخدم صورته بصدق ومحبة.

مرحبا بك في المغرب، يا خالد.. فقصتك مع أطفال المغرب العميق لم تُحرّك فقط عدسة الكاميرا، بل أيقظت فينا نحن المغاربة شعور الفخر بما نملكه من إنسانية لا تُشترى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى