افتتاحية | صحافة خريبكة: عبء لا شريك… من يتحمّل المسؤولية؟

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)
لا يمكن الحديث عن الإعلام المحلي بإقليم خريبكة دون الاعتراف بحقيقة صادمة: هذا القطاع لا يشتغل اليوم بمنطق المؤسسات، بل بمنطق الإرادة الفردية. إرادة صحفيين مهنيين اختاروا الاستمرار في ظروف قاسية، ووسط هشاشة قانونية ومادية، جعلت من الاستمرارية نفسها إنجازا يُحسب لا يُنتقص.
في خريبكة، كما في مدن أخرى خارج المركز، يُمارَس العمل الصحفي في غياب رؤية واضحة من طرف المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، التي ما تزال تنظر إلى الإعلام المحلي إما كأداة ظرفية للتواصل، أو كعبء مزعج، لا كشريك تنموي يفترض إشراكه ضمن تعاقدات شفافة ومنظمة، هذا الاختلال البنيوي جعل الإعلام يعيش على “الحد الأدنى”، ويُدار بإمكانيات ذاتية، ما ينعكس حتمًا على الجودة والاستمرارية.
الأخطر من ذلك، أن هشاشة المشهد فتحت الباب أمام فوضى مهنية حقيقية، فإن عدد الصحفيين المهنيين بالإقليم الحاملين للبطاقة المهنية من المجلس الوطني للصحافة لا يكاد يُذكر، في مقابل تضخم غير مسبوق في عدد المراسلين غير المؤهلين وأشخاص ينتحلون صفة صحافي دون تكوين أو سند قانوني، مما دفع الصحافيين المهنيين من تغييب أنفسهم عن المشهد الإعلامي المحلي مُكرهين.
هذا الخلل لم يربك فقط المشهد، بل شوّه صورة المهنة، وخلق انطباعًا سلبيا لدى المواطن، الذي بات عاجزا عن التمييز بين الصحافة الجادة والممارسات الدخيلة.
ورغم أن التعميم في اتهام الصحافة المحلية بالتطبيل أو الابتزاز يظل ظالما، إلا أنه يعكس واقعًا لا يمكن إنكاره: غياب التنظيم الذاتي القوي، وغياب آليات واضحة للمحاسبة المهنية، لذلك، فإن أي حديث عن إصلاح المشهد الإعلامي يمر حتما عبر التأطير، وهيكلة القطاع، والدفاع عن الصحافة المهنية في مواجهة العبث.
أما على مستوى حرية الصحافة، فهي موجودة نظريا، لكنها عمليا محاصَرة بالإكراهات اليومية: صعوبة الولوج إلى المعلومة، غياب التواصل المؤسساتي، والهشاشة الاجتماعية للصحفي. إنها حرية “مقيدة بالواقع”، حيث يُترك الصحفي وحيدًا في مواجهة الضغط، دون حماية حقيقية.
ولا يمكن فصل أزمة الإعلام عن أزمة التنمية بالإقليم، فخريبكة تعيش مفارقة صارخة: ثروة وطنية كبرى، مقابل تنمية لا تُرضي انتظارات الساكنة؛ بطالة، خصاص في البنيات التحتية، فقر في المرافق الثقافية والرياضية، وإيقاع بطيء في إنجاز المشاريع، إن المواطن لم يعد يقتنع بالخطاب، بل ينتظر نتائج ملموسة. وهنا، يُطرح سؤال العدالة المجالية بإلحاح: لماذا لا تنعكس الثروة على جودة الحياة؟
المجالس المنتخبة تتحمل جزءا من المسؤولية، ليس بالضرورة بسبب غياب الجهود، بل بسبب ضعف النجاعة والسرعة في اتخاذ القرار، كما أن المؤسسات الكبرى، وعلى رأسها OCP، مطالَبة بإعادة النظر في علاقتها بالإعلام المحلي، ليس من باب الإشهار، بل من منطلق الشراكة المؤسسية الشفافة، واحترام دور الإعلام كفاعل مستقل لا كملحق تواصلي.
في هذا السياق، تبرز مبادرات تنظيمية، مثل التفكير في تأسيس فيدرالية إقليمية للناشرين، كمحاولة لإعادة الاعتبار للمهنية، ومحاربة الفوضى، وبناء علاقة متوازنة مع المؤسسات، وهي خطوة، إن كُتب لها النجاح، قد تُشكّل بداية تصحيح مسار مختل.
إن الإعلام المحلي بخريبكة لا يطلب امتيازات، بل يطالب فقط بالاعتراف بدوره، وبشروط عمل تحترم الحد الأدنى من الكرامة المهنية. فالتنمية لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل تُبنى أيضا بإعلام حر، مستقل، ومسؤول… وإلى أن تدرك السياسات العمومية ذلك، ستبقى الإرادة الفردية هي الوقود الوحيد لصحافة تُقاوم كي لا تنطفئ.



