مال و أعمال

بين أرقام الأرباح وتقارير قضاة الحسابات: من يدفع فاتورة “التقصير البيئي” في مناطق الفوسفاط؟

سليم لواحي

بينما يواصل المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) تحقيق أرقام معاملات قياسية وتثبيت ريادته العالمية في سوق الأسمدة، مستنداً إلى هالة إعلامية تروج لـ “التحول الأخضر” والاستدامة، تكشف التقارير الرقابية الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة واقعاً مغايراً تماماً على الأرض.

لم يعد الحديث عن الأثر البيئي والصحي لأنشطة المكتب مجرد “ادعاءات” لجمعيات محلية أو شكاوى من الساكنة؛ بل تحول إلى خلاصات رسمية صاغها قضاة المجلس الأعلى للحسابات، والذين وضعوا الأصبع على اختلالات هيكلية تؤكد أن كلفة الريادة الاقتصادية للمكتب يتم استخلاصها مباشرة من صحة المواطن المغربي والمجال البيئي المحيط بالمناجم والمصانع.

1. صك الاتهام الرقابي: تأخر مزمن في إعادة تأهيل الأراضي المستغلة

واحدة من أخطر الخلاصات التي سجلها التقرير التفتيشي للمجلس الأعلى للحسابات بخصوص النشاط المنجمي للمكتب، هي الفجوة الكبيرة والتأخر غير المبرر في إعادة تأهيل الأراضي بعد الانتهاء من استخراج الفوسفاط.

  • الواقع على الأرض: يترك المكتب وراءه مساحات شاسعة من الأراضي “المحفورة” والمشوهة جيولوجياً (الهياكل المنجمية المهجورة)، مما يحرم الجماعات السلالية والمزارعين المحليين من أراضيهم لسنوات طويلة بعد انتهاء الاستغلال.

  • المساءلة الصارمة: أين تذهب الميزانيات المرصودة لإعادة التدوير الفلاحي والتشجير؟ إن التراخي في إعادة تأهيل هذه الأراضي لا يشكل فقط خرقاً للالتزامات البيئية للمكتب، بل يساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الهجرة القروية وتدمير النسيج الفلاحي في أقاليم مثل خريبكة واليوسفية.

2. معضلة “أوحال الغسل”: أراضٍ ضائعة ومنظومة بيئية مهددة

لم يقف تقرير قضاة الحسابات عند معضلة الحفر والاتربة، بل أثار ملفاً تقنياً وبيئياً بالغ الحساسية، ويتعلق بـ تدبير الأوحال الناتجة عن غسل الفوسفاط.

من تقرير المجلس الأعلى للحسابات: تم تسجيل ضياع مساحات أرضية شاسعة وتضرر المنظومة البيئية المحلية نتيجة تراكم وتدبير أسرّة الأوحال (Washing Sludge) الناتجة عن محطات الغسل.

هذه الأوحال الكثيفة والمحملة بالرواسب والمواد الكيميائية لا تكتفي باحتلال مساحات كان يمكن استغلالها تنموياً، بل تشكل تهديداً صامتاً ومستمراً عبر:

  1. احتمالية تسرب المواد الملوثة إلى الفرشات المائية الباطنية في زمن يعاني فيه المغرب من جفاف هيكلي.

  2. تطاير الغبار الملوث عند جفاف هذه الأسرّة، مما يزيد من حدة التلوث الهوائي في المناطق السكنية المجاورة.

3. هواء مدن الفوسفاط: أرقام الأرباح مقابل حق التنفس

إذا كان المجلس الأعلى للحسابات قد فضح الجانب المنجمي والترابي، فإن الواقع الصحي في مدن التصنيع (آسفي، الجرف الأصفر) يكمل هذه الصورة القاتمة. تواجه المنشآت الصناعية الكبرى لـ OCP تساؤلات حارقة حول مدى جدية تشغيل مصفات الغاز وأنظمة خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) والفلور.

تشير المعطيات الصحية غير الرسمية في هذه المدن إلى تسجيل نسب مرتفعة غير طبيعية من أمراض الجهاز التنفسي (كالربو الحاد والحساسية المزمنة وتآكل الأسنان الناتج عن الفلور)، خاصة في صفوف الأطفال.

ختاما إن قوة المكتب الشريف للفوسفاط كقاطرة اقتصادية للمغرب لا تعفيه من المحاسبة، بل تجعل مسؤوليته تضاعف مرتين. إن “الغسيل الأخضر” (Greenwashing) عبر صياغة تقارير باللغة الإنجليزية موجهة للمستثمرين الأجانب وصناديق التمويل الدولية، لم يعد ينطلي على الساكنة المحلية، ولم يعد قادراً على حجب تقارير قضاة المجلس الأعلى للحسابات.

إن الساكنة المحلية في خريبكة، اليوسفية، آسفي، والمرسى بالعيون، لا تطالب بصدقات أو “فتات” في شكل أنشطة احتفالية، بل تطالب بحقها الدستوري في بيئة سليمة، وبتطبيق صارم للتوصيات الرسمية للدولة: أهّلوا الأراضي التي استنزفتموها، وعالجوا الأوحال التي خلّفتموها، واجعلوا حق المواطن في التنفس مقدماً على حق المؤسسة في جني الأرباح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى