الرأي الحرمجتمع

برشيد.. شوارع مغلقة منذ ثلاثين سنة ومدارات تثير التساؤلات.. من يملك جرأة فتح ملفات التصميم والمال العام؟

يناير.كوم – د. عادل الحيمر

كاتب وباحث متخصص في القضايا السياسية والقانونية

ليست المدن مجرد إسمنت وشوارع ومدارات وبقع للبناء، بل هي ذاكرة جماعية ومستقبل أجيال. وكل قرار عمراني تتخذه المؤسسات اليوم قد يترك أثره لعقود طويلة على حياة المواطنين وعلى شكل المدينة ومستقبلها.

ومن هذا المنطلق، يحق لساكنة مدينة برشيد أن تطرح اليوم مجموعة من الأسئلة حول تصميم المدينة، وحول بعض الاختلالات التي ظلت قائمة لسنوات طويلة، بل إن بعضها، حسب ما يلاحظه المواطنون، يعود إلى ثلاثين سنة من الزمن.

شوارع مغلقة منذ ثلاثين سنة.. إلى متى؟

من بين الملفات التي تستحق فتح نقاش جاد ومسؤول، وجود بعض الشوارع والممرات التي ظلت مغلقة أو غير مستغلة بالشكل الذي يفترض أن تكون عليه منذ ما يقارب ثلاثين سنة.

ثلاثون سنة ليست فترة قصيرة، بل هي عمر جيل كامل.

وهنا يطرح المواطن البرشيدي أسئلة مشروعة:

لماذا بقيت هذه الشوارع مغلقة طوال هذه المدة؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع؟ وهل أصبح الأمر واقعا مفروضا، أم أن هناك إمكانية قانونية وعمرانية لمعالجته؟

مدارات وشوارع أُنجزت.. ولكن هل كانت مدروسة بما يكفي؟

هناك أيضا تساؤلات يطرحها المواطنون حول بعض المدارات والشوارع التي تم إنجازها خلال مراحل سابقة من تدبير المجلس الجماعي، والتي يرى البعض أنها لم تكن مدروسة بالشكل الكافي، سواء من حيث التصميم أو الربط أو انسيابية حركة السير أو ملاءمتها مع التطور العمراني للمدينة.

وهنا يظهر سؤال لا يمكن تجاهله:

هل يتم إنجاز المشاريع العمومية وفق دراسة دقيقة تستشرف المستقبل، أم أننا أحيانا ننفق المال على مشروع، ثم نعود بعد مدة لإنجاز مشروع آخر لتصحيح ما سبقه؟

إذا ثبت أن مشروعا أنجز ثم احتاج بعد فترة قصيرة إلى إعادة الأشغال أو التغيير بسبب سوء الدراسة أو ضعف التخطيط، فإن الأمر يستحق افتحاصا وتوضيحا مؤسساتيا، لأن المال العمومي ليس مال شخص أو مسؤول، وإنما هو مال المواطن.

والتعامل مع المال العام يجب أن يقوم على الحكامة والنجاعة وحسن التخطيط وربط المسؤولية بالمحاسبة.

المال العام ليس ملكا لأحد، المواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم، والذي تساهم أمواله في تمويل المشاريع العمومية، من حقه أن يعرف كيف تصرف هذه الأموال.

فإنفاق المال على إنجاز شارع أو مدار ثم العودة بعد فترة قصيرة لتغييره أو إعادة إنجازه بسبب اختيارات غير موفقة يطرح، على الأقل، تساؤلات مشروعة حول نجاعة الدراسة والتخطيط والتتبع.

ولا يعني ذلك توجيه اتهام إلى أي مسؤول دون دليل، وإنما يعني المطالبة بتقييم المشاريع والرجوع إلى الدراسات والصفقات ومحاضر التتبع والاستلام، لمعرفة مدى احترامها للمعايير التقنية والقانونية.

من الحدائق والمساحات الخضراء إلى البقع السكنية؟

ولا يتوقف النقاش عند الشوارع والمدارات، بل يمتد إلى بعض المساحات التي كانت مخصصة، وفق ما يتداوله المواطنون، للحدائق أو الفضاءات العمومية، قبل أن تعرف بعض المواقع تغييرات في استعمالاتها وتحولت إلى بقع مخصصة للسكن خلال مراحل سابقة.

وهنا يجب أن تكون الإجابة بالوثيقة:

ما هي القرارات التي سمحت بهذه التغييرات؟ وما هي المساطر التي تم اتباعها؟ وهل تمت جميع الإجراءات القانونية والتعميرية المطلوبة؟

فالحدائق والمساحات الخضراء ليست مجرد أراض فارغة، وإنما جزء أساسي من التوازن العمراني وجودة الحياة داخل المدينة.

أين كانت الجرأة؟ وأين هي اليوم؟

قد تكون للمجالس السابقة مبرراتها وقراراتها وظروفها، وقد تختلف الآراء حول طريقة تدبيرها، لكن المسؤولية السياسية والمؤسساتية تقتضي اليوم عدم ترك الملفات القديمة مغلقة إلى ما لا نهاية.

كما أن المجلس الجماعي الحالي، برئاسة الرئيسة الحالية، لا يمكن تحميله مسؤولية كل ما وقع خلال العقود الماضية، لكنه يملك فرصة حقيقية لفتح النقاش حول ما يمكن معالجته اليوم، وفق الاختصاصات والقانون.

فالجرأة السياسية الحقيقية ليست في الدفاع عن قرارات الماضي، ولا في مهاجمة من اتخذها، وإنما في امتلاك الشجاعة لمراجعة ما يحتاج إلى مراجعة وتصحيح ما يمكن تصحيحه.

نريد مسؤولا يخرج ويوضح، نوجه مطلبا واضحا إلى كل مسؤول يملك المعلومة أو الاختصاص:

نريد من يخرج إلى الرأي العام ويوضح للبرشيديين حقيقة ما وقع في تصميم مدينتهم.

لماذا تأخر إخراج أو مراجعة التصميم إلى هذه المدة؟

لماذا ظلت بعض الشوارع مغلقة لعشرات السنين؟

لماذا أنجزت بعض المدارات والشوارع ثم ظهرت الحاجة إلى تعديلها أو إعادة إنجاز أجزاء منها؟

من اتخذ القرارات المتعلقة بتغيير تخصيص بعض المساحات والحدائق؟

وكيف تم صرف المال العام في هذه المشاريع؟

هذه ليست أسئلة اتهامية، وإنما أسئلة مواطنين من حقهم الحصول على أجوبة واضحة وشفافة.

وإذا كانت الدراسات والمشاريع قد أنجزت وفق المعايير القانونية والتقنية، فلتخرج المؤسسات وتوضح ذلك للرأي العام.

أما إذا كشفت الوثائق عن اختلالات أو ضعف في التخطيط، فالمطلوب هو تحديد المسؤوليات وفق القانون، واستخلاص الدروس حتى لا تتكرر الأخطاء.

برشيد تحتاج إلى رؤية جديدة

برشيد لا تحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، وإنما تحتاج أيضا إلى تقييم المشاريع السابقة ومعرفة ما الذي نجح وما الذي لم ينجح، وما الذي يمكن إصلاحه.

فالمال العام يجب أن يصرف على مشاريع مدروسة، مستدامة، وتخدم المواطن لسنوات، لا أن يصبح المواطن مطالبا بدفع تكلفة الأخطاء أكثر من مرة.

فالمال العام ليس مال المجلس ولا مال الرئيس ولا مال أي مسؤول؛ إنه مال المواطنين، والأمانة تقتضي حسن تدبيره.

وفي النهاية، لا نبحث عن تصفية الحسابات مع أي مسؤول سابق أو حالي، ولا عن إدانة أي شخص خارج إطار القانون، وإنما نطالب بشيء واحد:

الشفافية، والوثيقة، والمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

والسؤال الذي سيبقى مطروحا:

هل تمتلك برشيد اليوم الجرأة لفتح الملفات العمرانية والمالية التي ظلت مغلقة لعقود؟

 

*مقال رأي ملزم لصاحبه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى