الأجناس الكبرىالرأي الحر

يونس مسكين ليس ضد الدولة… القصة الكاملة وراء كلمة «التهجير»

يناير.كوم – ياسين شريحي
في اللحظات التي تشتد فيها الكوارث، تتقدم الأولويات بوضوح: حماية الأرواح، تأمين السكان، وتعبئة الوسائل الممكنة لتقليص الخسائر، غير أن الفضاء العمومي لا يظل دائما وفيا لهذه البوصلة؛ إذ سرعان ما تتحول الأنظار أحيانا من جوهر الفعل إلى هوامش التعبير، ومن تقييم السياسات إلى محاكمة الكلمات. هذا ما حدث في الجدل الذي لحق مداخلة الصحافي يونس مسكين، بعدما أُثيرت حول استعماله العابر لمصطلح «التهجير» عاصفةٌ من الاتهامات.
المشكلة أن الكلمة، وقد انتُزعت من سياقها، صارت تُقرأ باعتبارها موقفًا، بل نيةً مبيتة، بينما يكشف الرجوع إلى مجمل الحديث صورة مختلفة تماما، فقد كان المتدخل واضحا في أكثر من محطة: الإجلاء إجراء ضروري ومحمود حين يهدف إلى حماية الناس من الخطر، والتدخلات الميدانية التي تُبعد السكان عن مناطق التهديد تُعد علامة على الجاهزية واليقظة، بل إن هذا التوصيف تكرر بصيغ متعددة، بما لا يترك مجالًا للشك في أن الرجل كان يتحدث من زاوية تثمين جهود الإنقاذ لا الطعن فيها.
في البث المباشر، يقع أحيانا أن تختلط المفردات أو تُستعمل كلمة بدل أخرى، يعرف أهل المهنة أن سرعة التدفق الشفوي لا تمنح دائما رفاهية الانتقاء الدقيق. ومع ذلك، فإن تحويل هفوة لغوية محتملة إلى قضية رأي عام، وبناء سردية كاملة حولها، يطرح سؤال العدالة في الحكم: هل يُقاس الموقف العام بثانية مقتطعة، أم بمجموع التصريحات؟
الأهم أن النقاش الأصلي لم يكن لغويا أصلا. كان يتعلق بمرحلة ما قبل الكارثة: تدبير السدود، الاستعدادات، فعالية التواصل، ومآلات التعويض وإعادة الإعمار، وهي أسئلة مشروعة في أي مجتمع يسعى إلى تطوير سياساته العمومية. طرح هذه القضايا لا يعني تبخيس ما تحقق في الميدان، كما أن الإشادة بالإنقاذ لا تلغي حق التساؤل حول ما يمكن تحسينه مستقبلا، الجمع بين الأمرين ليس تناقضا، بل هو جوهر التفكير المسؤول.
إن القراءة المتأنية للمداخلة تُظهر أن صاحبها لم يكن في موقع الخصومة مع الدولة، ولا في موقع التنقيص من عمل مؤسساتها، بل في موقع من يعتقد أن الاعتراف بالجهد يجب أن يترافق مع نقاش صريح حول مواطن القصور المحتملة. أما تحويل ذلك إلى تهمة، فمعناه أن المطلوب ليس رأيا، بل تصفيقًا.
ليست الأوطان كلماتٍ تُقال على عجل، ولا تُختزل في تعبير خرج من سياقه. الأوطان تبنى بالفعل، وبالقدرة على الاستماع إلى الرأي والرأي الآخر، وبالتمييز بين النقد الذي يروم الهدم والنقد الذي يبحث عن التحسين. وفي هذه الواقعة، يبدو واضحا أن يونس مسكين كان في الضفة الثانية: ضفة من يعتبر إنقاذ الناس أولوية، ويرى أن النقاش بعد ذلك حق وضرورة.
لهذا فإن الإنصاف يقتضي إعادة الأمور إلى نصابها، وقراءة الحديث كاملًا، لا عبر شظايا مجتزأة. عندها فقط يظهر المعنى الحقيقي: لم تكن هناك إساءة إلى جهود الدولة، بل كان هناك دفاع عنها مقرون بدعوة إلى مزيد من الفعالية، وبين الاثنين مسافة من الحكمة، لا من الاتهام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى