تسقيف الأسعار أم تسقيف الوعود الانتخابية؟

طارق نصراوي
أثار موقف حزب الاستقلال من مقترح قانون تسقيف أسعار المحروقات نقاشاً واسعاً، خاصة بعدما اختار الحزب عدم التصويت لصالح المقترح، مقدماً مجموعة من المبررات الاقتصادية والسياسية. غير أن القراءة المتأنية لهذه المبررات تكشف أن جوهر المشكلة لا يكمن في الخوف على التوازنات المالية أو رفض العودة إلى نظام المقاصة، بقدر ما يكمن في العجز عن مواجهة واقع سوق المحروقات الذي بات يطرح أسئلة حقيقية حول المنافسة وهوامش الربح وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
فأول ما يثير الانتباه هو محاولة الخلط بين تسقيف الأسعار وتسقيف هوامش الأرباح. فإذا كان حزب الاستقلال يؤمن فعلاً بضرورة تسقيف هوامش الربح ومحاربة الأرباح المفرطة، فما الذي منعه من تحويل هذا الموقف إلى مبادرة تشريعية أو حكومية واضحة خلال سنوات مشاركته في تدبير الشأن العام؟ فالمواطن لا يقيس المواقف بالنوايا المعلنة، بل بالنتائج الملموسة. وقد مرت سنوات طويلة على تحرير قطاع المحروقات دون أن يلمس المستهلك المغربي أثراً حقيقياً لأي إجراءات تحد من الأرباح الفاحشة أو تفرض منافسة عادلة داخل السوق.
أما التلويح بشبح العودة إلى المقاصة، فهو في الحقيقة هروب من النقاش الحقيقي. فالمغاربة الذين يطالبون بحماية قدرتهم الشرائية لا يطالبون بالضرورة بإحياء نموذج الدعم القديم، بل يطالبون بضمانات تمنع تحوّل تحرير الأسعار إلى آلية لنقل أعباء التقلبات الدولية بالكامل إلى جيوب المواطنين، بينما تستمر بعض الشركات في تحقيق أرباح استثنائية. وبين المقاصة المطلقة والتحرير المطلق توجد حلول كثيرة كان بالإمكان اعتمادها لو توفرت الإرادة السياسية.
والأكثر غرابة هو تحويل النقاش من سؤال اقتصادي واجتماعي إلى اتهامات انتخابية للخصوم. فالمواطن الذي يكتوي يومياً بارتفاع تكاليف النقل وأسعار المواد الأساسية لا يعنيه كثيراً من بدأ حملة انتخابية ومن رد عليها، بل يعنيه أن يجد من يدافع فعلاً عن قوته الشرائية. وعندما تصبح كل دعوة لمراجعة أسعار المحروقات أو تقنينها مجرد “شعبوية”، فإن ذلك يفرغ العمل السياسي من وظيفته الأساسية المتمثلة في الدفاع عن مصالح المواطنين.
ثم إن الحديث عن أن الأطراف المنتقدة اليوم هي نفسها التي ساهمت بالأمس في تحرير الأسعار لا يعفي حزب الاستقلال من مسؤوليته الحالية. فالسياسة لا تُدار بمنطق “أنتم أيضاً أخطأتم”، وإنما بمنطق ماذا فعلتم أنتم عندما أتيحت لكم فرصة التصحيح. فالمشاركة في الحكومة تعني تحمل المسؤولية كاملة أمام المواطنين، لا الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا لم يصوت حزب الاستقلال على مقترح القانون، بل لماذا لم يتمكن، وهو يقود قطاعات حكومية مؤثرة ويقود الأغلبية عبر أمينه العام، من فرض إجراءات قوية وملموسة تحد من جشع لوبيات المحروقات التي ظل يتحدث عنها في خطابه السياسي؟ فإذا كانت المشكلة فعلاً في هوامش الأرباح، فأين هي القرارات التي قلصت تلك الهوامش؟ وإذا كانت المشكلة في غياب المنافسة، فأين هي الإصلاحات التي أعادت التوازن للسوق؟
لقد آن الأوان للانتقال من تسقيف النقاشات إلى تسقيف الوعود الانتخابية نفسها. فالمواطن المغربي لم يعد ينتظر خطابات تبريرية أو تبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، بل ينتظر إجراءات ملموسة تخفف من أعباء المعيشة وتحمي قدرته الشرائية. أما الوعود الكبيرة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، فهي أول ما يحتاج إلى التسقيف قبل أي شيء آخر.
وفي النهاية، تبقى القدرة الشرائية للمواطن معياراً حقيقياً لنجاح أو فشل السياسات العمومية. وكل خطاب سياسي لا يترجم إلى أثر مباشر على حياة الناس اليومية يبقى مجرد مرافعة سياسية مهما بلغت بلاغتها، بينما يظل المواطن هو من يؤدي الثمن.



