
يناير.كوم – د. حمزة الشواي
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ومحامٍ متمرن بهيئة الدار البيضاء
تتأسس العدالة الدستورية في النظام الدستوري والبرلماني المغربي على مبدأ التدرج المعياري وسيادة القانون، بوصفهما الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات ومنع انحراف الأغلبية البرلمانية؛ حيث يخول الفصل 132 من دستور المملكة لسنة 2011 للملك، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، حق إحالة القوانين العادية على المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذها. ويشكل هذا المقتضى ترسيخا للآليات المؤسساتية الواردة في الفصل 10 من الدستور، الذي جعل من الرقابة الوقائية وسيلة قانونية لضمان التوازن بين السلط وعقلنة الأغلبية البرلمانية. وتتحقق الواقعة التشريعية للنص القانوني وتكتمل بصورة قطعية بموجب الفصل 84 من الدستور بعد استنفاد مسطرة القراءتين ومصادقة مجلس النواب بصفته صاحب الاختصاص التشريعي الأصيل في المصادقة النهائية، مما يجعل النص موثقا بصفة رسمية في محاضر الجلسات العامة وسجلات الأمانة العامة للبرلمان وفق مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب؛ وهو ما يفصل فصلا قاطعا بين الوجود القانوني الفعلي للتشريع، وبين مجرد النقص في إرفاق طابع المطابقة للأصل، الذي لا يعدو كونه عيبا توثيقيا إداريا قابلا للاستدراك والمعالجة المسطرية، ولا يمس بالصحة الإجرائية للعمل التشريعي في ذاته.
غير أن قرار المحكمة الدستورية رقم 26/277 القاضي بتعذر البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة لعلة عدم إرفاق نسخة مطابقة للأصل، أفرز إشكالا مسطريا ومأزقا اجتهاديا في فقه القضاء الدستوري المغربي؛ فإذا كان اتجاه فقهي مساند لمنطوق القرار يرى أن المحكمة مقيدة بالحفاظ على حيادها المسطري وعدم الحلول محل الأطراف الطاعنة في استيفاء الوثائق تجنبا للبت في نصوص غير محققة رسميا ولإلزام البرلمان باحترام الشكليات المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 36.24، فإن الاتجاه الفقهي الغالب ينتهي إلى عدم وجاهة هذا التوجه استنادا إلى طبيعة المنازعة الدستورية ذاتها؛ فالرقابة الدستورية القبلية تندرج أصلا ضمن القضاء العيني المجرد الذي يعنى بحماية سمو الدستور وصيانة النظام العام الدستوري، وليست خصومة بين أطراف تحكمها قواعد الإثبات المدني ومبدأ حياد القاضي السلبي. وبناء عليه، فإن المادتين 22 و25 من القانون التنظيمي تمنحان المحكمة سلطات تحقيق واسعة تتيح لها استكمال ملفات الإحالة تلقائيا ومكاتبة كتابة ضبط البرلمان لاستيفاء النص المصوت عليه ومحاضر المصادقة، صونا للحق الدستوري المخول للأقلية النيابية بموجب الفصلين 10 و132 من الدستور، وتفاديا لإفراغ الرقابة الوقائية من وظيفتها المعيارية.
كما أن حصر المادتين 26 و27 (المعدلة بالقانون التنظيمي 36.24) لمخارج الرقابة الدستورية وآثارها في أحكام محددة وحصرية: (المطابقة التامة، أو عدم المطابقة الكلية، أو عدم المطابقة الجزئية مع إمكانية فصل المقتضيات، أو المطابقة المقترنة بالتحفظات التفسيرية الواجبة الإحالة عند النشر، أو عدم القبول الصريح)، يجعل ابتداع صيغة تعذر البت خروجا عن القواعد الحصرية للقانون التنظيمي؛ إذ يضع النص في حالة فراغ دستوري يتعارض مع الأثر الملزم لأحكام المحكمة الدستورية المنصوص عليه في الفصل 134 من الدستور، والذي يقضي بأن قراراتها تلزم جميع السلطات العامة ولا تقبل أي طريق من طرق الطعن. ويكيف هذا المسلك إجرائيا إما كـ عدم قبول مستتر ينطوي على نكول عن ممارسة الولاية القضائية، أو كـ وقف غير جائز للبت يخرق الأجل الدستوري الحتمي المحدد في ثلاثين يوما بموجب المادة 26، أو كـ إنكار للعدالة الدستورية يفضي إلى تعطيل ولاية البت في مطابقة التشريعات وإسقاط الحماية الدستورية الموضوعية.
وعند مقارنة هذا الموقف بالتجارب الدستورية والبرلمانية المقارنة، يتأكد أن المحاكم الدستورية في النظم الديمقراطية تستبعد الغلو الشكلي المسطري الذي يؤدي إلى تحصين القوانين المشوبة بعدم الدستورية من الرقابة القضائية؛ ففي التجربة الفرنسية واستنادا إلى المادة 61 من دستور 1958، استقر اجتهاد المجلس الدستوري (كالقرار رقم 80-119 DC) على طلب النصوص المصوت عليها مباشرة من كتابة ضبط الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ للفصل في جوهر المطابقة. وفي التجربة الإسبانية، أرست المحكمة الدستورية بموجب المادتين 161 و162 من الدستور مبدأ التيسير الإجرائي وقاعدة استدراك وتصحيح العيوب الشكلية في سوابقها الرائدة (STC 42/1985)، معتبرة أن العوار التوثيقي يوجب مكاتبة أجهزة البرلمان لتداركه حماية للمركز القانوني للأقلية النيابية في ممارسة الرقابة. كما تكرس المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية والمحكمة الدستورية الإيطالية مبدأ الولاء الدستوري بين المؤسسات، رفضا للشكليات المانعة من بسط الرقابة الموضوعية والمساس بـ مبدأ الأمن القانوني والقضائي المكرس في الفصل السادس من الدستور المغربي وسوابق المجلس الدستوري (القرار 13/929 م.د).
وتتضاعف خطورة هذا المأزق الإجرائي عند ربطه بسلوك الأغلبية البرلمانية والواقع المؤسساتي؛ فالقاعدة الدستورية المقارنة التي أرساها المجلس الدستوري الفرنسي (القرار 85-197 DC) تقضي بأن القانون المصوت عليه لا يعبر عن الإرادة العامة إلا في إطار الامتثال التام للدستور. وقد كشف المسار التشريعي لمشروع القانون رقم 66.23 عن نزوع حكومي نحو تغليب الهيمنة العددية على الملاءمة الدستورية والانحراف بالمسطرة التشريعية، مما أفرز نزاعات مؤسساتية واضطرابات مرفقية داخل منظومة العدالة؛ انطلاقا من اختلالات ولوج المهنة والمساس بمبادئ الاستحقاق والمساواة (الفصل 31 من الدستور)، وصولا إلى النزاع الإجرائي والموضوعي مع الهيئات المهنية الممثلة للدفاع.
إن تغييب الهيئات المهنية الممثلة (وعلى رأسها جمعية هيئات المحامين بالمغرب) يعد إخلالا بقواعد الديمقراطية التشاركية والحوار المؤسساتي المكرسة في تصدير الدستور وفصوله (12، 13، 14 و15). كما أن إقرار مقتضيات قانونية تمس باستقلالية مهنة المحاماة وحصانة الدفاع عبر مسار تشريعي متسارع يشكل مساسا بالمكتسبات الدستورية المتعلقة بـ ضمانات المحاكمة العادلة وحماية حقوق المتقاضين (الفصل 120 من الدستور)، وقواعد جودة التشريع؛ حيث تضمن المشروع أحكاما تخضع ممارسة التأديب للوصاية الإدارية التنفيذية (الفصلان 107 و118)، وتقيد شروط الولوج بالمخالفة لمبادئ المساواة وعدم التمييز (الفصول 6 و31 و35)، فضلا عن تقويض الضمانات الإجرائية لحصانة الدفاع وسرية المكاتب والمراسلات المهنية بالمخالفة للفصلين 120 و121 من الدستور، والمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومبادئ هافانا الأساسية بشأن دور المحامين لسنة 1990.
إن هذا المسلك المسطري الصادر عن الأغلبية البرلمانية والحكومية، والمتمثل في افتعال عوار إجرائي في ملف الإحالة لتجاوز ممارسة الرقابة الدستورية الموضوعية، يتجاوز كونه تعسفا مسطريا عابرا؛ ليتحول إلى انحراف بالسلطة التشريعية يضع المؤسسات الساهرة على سمو الوثيقة الدستورية أمام إشكال مؤسساتي مركب:
• فمن جهة أولى، يضع هذا المسلك المحكمة الدستورية في حرج قضائي ومؤسساتي دقيق؛ لكون القضاء الدستوري يمثل المؤسسة الدستورية المتخصصة الساهرة على حماية الدستور وتكريس سموه المعياري، والهيئة القضائية المسند إليها بموجب الفصل 132 من الدستور والقانون التنظيمي صيانة الوثيقة الأسمى ومراقبة دستورية القوانين وتصفيتها من شوائب عدم المشروعية. وإن استغلال الأغلبية لثغرة توثيقية إدارية لدفع المحكمة نحو إعلان “تعذر البت”، يؤدي إلى شل الاختصاص الرقابي للمحكمة الدستورية عن ممارسة ولايتها واختصاصها الحمائي الأصيل رغم اكتمال النصاب العددي للإحالة؛ مما يفرغ الرقابة الوقائية من أثرها القانوني الرادع، ويطرح إشكالا فقهيا حول الجدوى المؤسساتية والحماية الفعلية للدستور إذا أفضت مسطرة الإحالة إلى إصدار ونشر تشريع لم تفحص مطابقة مواده للدستور.
• ومن جهة ثانية، يصدر هذا التصرف النزاع التشريعي مباشرة إلى نطاق الاختصاص الدستوري للمؤسسة الملكية، التي تحظى بمركز الصدارة في البناء الدستوري للمملكة؛ فبمقتضى الفصل 42 من الدستور، يعد جلالة الملك الحامي الأسمى للدستور والضامن لاحترامه. وبالتالي، فإن دفع النص التشريعي نحو مرحلة إصدار الأمر بالتنفيذ بموجب الفصل 50 من الدستور، يضع المؤسسة الملكية أمام إشكال دستوري موضوعي: إذ كيف تستقيم القاعدة الآمرة بإلزامية الرقابة القبلية على القوانين، إذا أفضى الالتفاف الإجرائي عليها إلى طلب إصدار الأمر بتنفيذ تشريع معيب دستوريا ومحل نزاع مؤسساتي ومجتمعي واسع؟
إن خطورة هذا المسلك تكمن في الإخلال بقواعد المسؤولية السياسية للحكومة والمساس بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وسيادة القانون (الفصلان الأول والسادس من الدستور). ويؤكد هذا الواقع أن حماية الدستور تقتضي ألا تتحول الشكليات الإدارية إلى ذريعة لإسقاط الرقابة القضائية الموضوعية.
وعليه، فإن المخرج الدستوري المؤسساتي السليم ينعقد حصريا في إطار الصلاحيات التحكيمية المخولة للملك بموجب الفصلين 42 و67 من الدستور؛ حيث يخول الفصل 42 ممارسة التحكيم الملكي لضمان حسن سير المؤسسات والتوازن الدستوري، بينما يمنح الفصل 67 جلالة الملك صلاحية حصرية لمطالبة البرلمان بقراءة جديدة للقانون، أسوة بالتجارب المقارنة في فرنسا (المادة 10) وإيطاليا (المادة 74). إن إعمال هذه الصلاحية يترتب عليه بقوة الدستور وقف سريان أجل الثلاثين يوما المحدد لإصدار الأمر بالتنفيذ، وإعادة النص إلى المؤسسة البرلمانية لتصحيح العيوب الشكلية والموضوعية وتكريس الديمقراطية التشاركية، مع فتح المجال لإحالة دستورية جديدة ومستوفية للشكليات تلزم القضاء الدستوري بالبت في الجوهر، أو عبر ممارسة جلالة الملك لحقه الدستوري المباشر في الإحالة بموجب الفصل 132.
إن تفعيل هذه الضمانات الدستورية هو السبيل الوحيد لصون هيبة المؤسسات الدستورية، وتفادي الطعون اللاحقة عن طريق الدفع بعدم الدستورية (الفصل 133) بما يحفظ استقرار المنظومة القضائية، وترسيخ المبدأ الفقهي والدستوري الراسخ: أن السلطة التقديرية للأغلبية البرلمانية تظل مقيدة دوما بمبدأ سمو الدستور وسيادة القانون.
*مقالات الرأي المنشورة على الموقع ملزمة لأصحابها

