سياسة

بين «الأحرار» و«البام».. ميركاتو سياسي يعيد رسم خريطة الانتخابات التشريعية 2026

يناير.كوم ـ الرباط

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تشهد الساحة السياسية المغربية حركية متسارعة داخل عدد من الأحزاب، عنوانها الأبرز انتقال منتخبين وقيادات من حزب إلى آخر، في مشهد يعيد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة هذه التحولات، وما إذا كانت تعكس مراجعات حقيقية في القناعات السياسية أم ترتبط أساساً بالحسابات الانتخابية وإعادة تموقع الأسماء والمنتخبين.

ويبدو حزب التجمع الوطني للأحرار في قلب هذه الحركية، بعدما أعلن عدد من الأسماء مغادرة صفوفه والالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة، مقابل تحركات في الاتجاه المعاكس، بما يجعل المشهد أشبه بـ«ميركاتو سياسي» مفتوح قبل أشهر من موعد الانتخابات.

من بين أبرز المغادرين، عبد القادر حضوري، عضو المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار سابقاً ورئيس جماعة أهل أنجاد بعمالة وجدة، الذي أعلن استقالته وعودته إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وبرر حضوري قراره بما وصفه بمراجعة عميقة لتجربته السياسية، معتبراً أن المشروع الذي التحق من أجله بـ«الأحرار» لم يعد، بحسب تعبيره، يعكس تطلعاته، منتقداً ما اعتبره تراجعاً عن وعود والتزامات تجاه أبناء الجهة الشرقية.

وفي ميدلت، اختار النائب البرلماني وعضو المكتب السياسي السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار مروان شباعتو مغادرة الحزب والالتحاق بالأصالة والمعاصرة، واضعاً قراره في سياق تراكمات قال إنها جعلته يشعر بأن إقليم ميدلت لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه داخل الحزب.

وربط شباعتو جزءاً من مبرراته بطريقة التعامل مع عدد من الملفات المحلية، مستحضراً على الخصوص قضية مهنيي الصناعة التقليدية بالإقليم، والتي قال إنها شكلت بالنسبة إليه «القطرة التي أفاضت الكأس»، بعدما تعذر، وفق روايته، ترتيب لقاء مع المسؤول الحكومي المعني لبحث مطالب المهنيين.

ولم تتوقف موجة المغادرات عند الجهة الشرقية، إذ برزت أسماء أخرى في مناطق مختلفة، من بينها منال بادل، التي غادرت بدورها صفوف التجمع الوطني للأحرار والتحقت بالأصالة والمعاصرة، في خطوة ردت بشأنها على البلاغ الصادر عن حزبها السابق، وقدمت انتقالها باعتباره نتيجة لقناعة تكونت بعد مراجعة لمسارها السياسي.

وفي الأقاليم الجنوبية، شكل انتقال محمد سالم بهيا، رئيس المجلس الإقليمي لطرفاية، إلى حزب الأصالة والمعاصرة وتزكيته لتمثيله في الانتخابات التشريعية المقبلة، أحد المؤشرات على استمرار إعادة ترتيب المواقع الحزبية، كما أثارت مغادرة أحد الوجوه المحلية البارزة بجهة العيون الساقية الحمراء لصفوف «الأحرار» وارتباطه بـ«البام» نقاشاً حول تأثير هذه التحركات على التوازنات الانتخابية المحلية.

وفي المقابل، لا تسير حركة الانتقالات في اتجاه واحد. فقد برزت في فاس تحركات سياسية من شأنها إعادة خلط الأوراق، مع تداول انتقال محمد السلماني الحوتي الحسني، رئيس مجلس مقاطعة أكدال والمنسق الإقليمي السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى التجمع الوطني للأحرار، وإذا تأكد هذا الانتقال بشكل رسمي، فإنه سيكون من أبرز التحولات المنتظرة في الدائرة الانتخابية بفاس الجنوبية، بالنظر إلى موقع الرجل وشبكة علاقاته السياسية والانتخابية بالمنطقة.

وتكشف هذه التحولات أن الاستحقاقات المقبلة لا تقتصر رهاناتها على البرامج والاختيارات الحزبية، بل تمتد أيضاً إلى استقطاب الوجوه التي تمتلك حضوراً انتخابياً وميدانياً وقواعد محلية قادرة على التأثير في النتائج.

كما أن البلاغ الأخير للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تحدث عن ممارسات وصفها بأنها تمس بأخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي، وحذر من «استمالات وضغوط» طالت عدداً من برلمانيي الحزب ومنتخبيه ومسؤوليه، يعكس حجم التوتر الذي بدأت تفرزه هذه الحركية السياسية، دون أن يسمي البلاغ الجهات التي يقصدها.

لكن خلف كل هذه الانتقالات يظل السؤال الأكبر مطروحاً أمام الناخب: هل نحن أمام انتقالات نابعة من اختلافات حقيقية في المشاريع والتصورات، أم أمام إعادة تموقع انتخابي قبيل موعد الاستحقاقات؟

فحين ينتقل منتخب أو برلماني من حزب إلى آخر، يصبح من المشروع مساءلته عن حصيلته، وعن أسباب مغادرته، وعن الإضافة التي سيقدمها في موقعه السياسي الجديد. كما أن انتقال عدد من الأسماء في الاتجاه نفسه لا يعني بالضرورة أن حزباً ما فقد قوته أو أن حزباً آخر أصبح أكثر جاذبية، إذ تبقى الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع ولقدرة كل حزب على تحويل هذه الاستقطابات إلى أصوات ونتائج.

وفي نهاية المطاف، قد يكون «الميركاتو السياسي» مفيداً للأحزاب من حيث إعادة ترتيب صفوفها، لكنه لا ينبغي أن يحجب السؤال الأساسي الذي ينتظر الناخبون جواباً عنه: ماذا تحقق خلال الولاية المنتهية، وماذا سيقدم المرشحون والأحزاب للسنوات المقبلة؟

فالناخب المغربي، أكثر من أي وقت مضى، مدعو إلى تقييم الأسماء بناءً على الحصيلة والبرامج والقدرة على الترافع وخدمة المواطنين، لا فقط على لون الحزب الذي يحمله المرشح لحظة الاقتراع، أما التنقلات المتكررة بين الأحزاب، من دون تفسير سياسي واضح أو تقييم للحصيلة، فقد تتحول من وسيلة لإعادة التموضع إلى عامل إضافي في تعميق أزمة الثقة في العمل السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى