التوثيقية البصرية وتفكيك واقع الهامش
قراءة نقدية في فيلم "My Jebba Story" ومشاركته في مهرجان خريبكة للسينما الافريقية

سليم لواحي
تسعى هذه الورقة النقدية إلى تحليل الفيلم النيجيري المستقل *”My Jebba Story”* للمخرج كاغهو إدهيبور، من خلال تفكيك خطابه البصري وسياقه السردي. يركز المقال على كيفية إعادة صياغة المخرج لمفهوم “سينما الشارع” بعيداً عن القوالب التجارية لسينما “نوليوود”، متبنياً جماليات الواقعية التوثيقية والميتا-سينما. كما يناقش المقال القيمة النقدية والثقافية لمشاركة هذا العمل في “مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية” باعتباره منصة تاريخية لإعادة إنتاج الهوية البصرية الإفريقية وتحريرها من المركزية الغربية.
1. مقدمة: سياق السينما المستقلة في نيجيريا
تجاوزت السينما النيجيرية المعاصرة الطابع التجاري الاستهلاكي الذي وسم أفلام “نوليوود” في تسعينيات القرن الماضي، لتفسح المجال أمام موجة جديدة من المخرجين الشباب المستقلين الذين يتبنون “سينما المؤلف”. يأتي فيلم *”My Jebba Story”* للمخرج كاغهو إدهيبور كأحد النماذج البارزة لهذه الموجة، حيث لا يستهدف الفيلم شباك التذاكر بقدر ما يسعى إلى توثيق “الأنثروبولوجيا البصرية” للمجتمعات المحلية في نيجيريا، وتحديداً مدينة “جيبا” التاريخية.
2. المقاربة السيميائية للخطاب البصري (تحليل البوستر والجماليات)
يعد الملصق الإعلاني للفيلم بمثابة مدخل بنيوي لفهم التوجه الفكري للمخرج، ويمكن تفكيكه إلى مستويين:
أولاً: تقنية الكولاج والتفتيت الزمني (Collage Aesthetics): تظهر الخلفية كشرائح فوتوغرافية متداخلة ومزاحة. سيميائياً، تعبر هذه الإزاحة عن “شظايا الذاكرة الجمعية” لأهل المنطقة، وتوحي بأن السرد لن يكون خطياً كلاسيكياً، بل سرد تفكيكي يعتمد على تراكم الشهادات واللقطات الحية.
ثانياً: الميتا-سينما والكاميرا كأداة تحررية (Meta-Cinema): يتوسط الكادر شاب (المخرج/المصور) يحتضن كاميرته بابتسامة تكسر الجدار الرابع مع المتلقي. الكاميرا هنا ليست أداة مراقبة استعمارية أو تجارية، بل هي “عضو حيوي” يندمج في النسيج الاجتماعي لمدينة جيبا، مما يمنح الفيلم صبغة ديمقراطية تشارك في صنعها الشخصيات المصورة ذاتها.
ثالثاً: ثنائية التباين اللوني: الاعتماد على الأبيض والأسود في الصور يضفي طابعاً توثيقياً (Archival Realism)، بينما يعكس الخط الأصفر العفوي المكتوب يدويًا نبض الشارع المعاصر وطاقته المتجددة.
3. سينما الهامش والواقعية التوثيقية في الفيلم
ينتمي فيلم “My Jebba Story” إلى ما يمكن تسميته بـ “سينما القاع أو الهامش”. المخرج لا يجلب ممثلين محترفين، بل يعتمد على “الأشخاص الحقيقيين” (Non-actors) الذين يشاركون حكاياتهم اليومية، وهمومهم الاقتصادية، ورؤيتهم للهوية النيجيرية من خلال جغرافيا مدينة “جيبا” (التي تمثل عقدة مواصلات وجسراً يربط بين شمال نيجيريا وجنوبها).
يطرح الفيلم تساؤلات وجودية حول الهجرة الداخلية، والتنمية المعطلة، والذاكرة المكانية، مستخدماً أسلوب “السينما المباشرة” (Cinéma Vérité) حيث تتحرك الكاميرا بحرية في الأسواق وعلى أرصفة محطات القطارات القديمة، محولةً المكان من مجرد خلفية أحداث إلى “شخصية درامية رئيسية”.
4. أبعاد ودلالات المشاركة في مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية
تكتسب مشاركة فيلم “My Jebba Story” في **مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية بالمغرب (مؤسسة FCAK) أبعاداً نقدية وسياسية وفنية بالغ الأهمية:
أ. خريبكة كحاضنة لـ “سينما المقاومة والهوية”
تأسس مهرجان خريبكة منذ أواخر السبعينيات ليكون صوتاً لسينما إفريقية مستقلة تدافع عن قضايا القارة بعيداً عن الهيمنة الهوليوودية. إن عرض فيلم مثل *”My Jebba Story”* في خريبكة يضعه في سياقه الطبيعي؛ سياق السينما الملتزمة التي تناقش قضايا القارة من الداخل وبعيون أبنائها.
### ب. الحوار السينمائي (جنوب-جنوب) والتلاقح النقدي
تتيح المشاركة في هذا المهرجان العريق فتح قنوات نقاش بين السينما النيجيرية (الناطقة بالإنجليزية والمتميزة بديناميكيتها) والجمهور والنقاد في شمال إفريقيا والمغرب العربي. هذا التلاقح يسمح بإعادة قراءة الفيلم عبر أدوات نقدية مغاربية وإفريقية متعددة اللغات، مما يثري الأطروحة الفكرية للفيلم ويفكك العزلة الجغرافية واللغوية بين السينما في جنوب الصحراء وشمالها.
ج. الهروب من “الكلشيهات” الأنثروبولوجية الغربية
غالباً ما تُعرض الأفلام الوثائقية الإفريقية في المهرجانات الغربية للحصول على “صكوك الاعتراف” التي تفرض أحياناً نظرة استشراقية تركز على البؤس فقط. أما في مهرجان خريبكة، فإن الفيلم يُعرض أمام “مرآة الذات الإفريقية”. يرى الناقد الإفريقي في فيلم إدهيبور محاولة جادة للاحتفاء بالحياة والبهجة الإفريقية (الظاهرة في الابتسامات على ملصق الفيلم) رغم الصعاب، وهي زاوية رؤية يندر أن تفهمها المهرجانات الأوروبية.
ختاما يُمثل فيلم “My Jebba Story” لكاغهو إدهيبور وثيقة بصرية واجتماعية بالغة الأهمية تحسب لحساب السينما الإفريقية المستقلة. ومن خلال مشاركته في مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية، يؤكد العمل على أن السينما النيجيرية قادرة على تقديم سينما مؤلف رصينة تتجاوز الأنماط التجارية.
إن الفيلم، بملصقه التفكيكي ومضمونه الإنساني، يعلن ولادة عين سينمائية شابة قادرة على تحويل اليومي والهامشي إلى مادة بصرية وفلسفية تستحق الاحتفاء والنقاش في كبرى المحافل السينمائية القارية.



