الأجناس الكبرىالرأي الحر

حين يُخنق الصحافي ويُفرش البساط الأحمر للمؤثّر

يناير.كوم – ياسين شريحي (مدير النشر)

لم تعد معاناة الصحافي المغربي في تغطية التظاهرات الكبرى مجرد حالات معزولة، بل تحوّلت إلى ظاهرة بنيوية متغلغلة، تجلّت بوضوح خلال منافسات كأس إفريقيا للأمم، حيث حُرم عدد كبير من الصحافيين المهنيين من ولوج الملاعب ومناطق العمل، في الوقت الذي لوحظ فيه ولوج بعض “المؤثّرين” إلى فضاءات مهنية مغلقة، وعلى رأسها Zone mixte، ما خلق ضجّة غير مسبوقة وسط الجسم الصحافي وأعاد إلى الواجهة سؤال المسؤولية: من يسمح بهذا العبث؟ وأين تقف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم مما يقع؟

فالـZone mixte ليست فضاءً مفتوحاً، بل منطقة خاصّة بالصحافيين المعتمدين فقط لأخذ التصريحات السريعة من اللاعبين بعد المباريات، وفق مساطر دقيقة ومعايير واضحة. غير أن اقتحام هذا الفضاء من طرف أشخاص بلا صفة مهنية معترف بها قانونياً، يطرح أكثر من علامة استفهام: بأي Accès دخلوا؟ وأي Badge كانوا يحملون؟ وهل جرى اعتمادهم كصحافيين أم كضيوف؟ هذه الأسئلة لا تمس الشكليات، بل تضرب في عمق احترام مهنة الصحافة ومصداقية التنظيم، وتحوّل الفضاء المهني إلى ساحة فوضى لا تخضع لأي منطق مؤسساتي.

وإذا كان الصحافي يُقصى من أداء مهامه، فأي دور يُنتظر من المؤسسات الإعلامية التي يُخنق صحافيوها في أكبر التظاهرات؟ كيف يُعقل أن تُقصى منابر قانونية تؤدي الضرائب، وتتحمّل مصاريف التغطية الصحية وأعباء التسيير، لإرضاء صاحب حساب فيسبوكي أو “تيك توكر” أو “يوتيوبر” لا يخضع لأي إطار قانوني ولا يؤدي ما تؤديه المؤسسات الإعلامية من التزامات جبائية واجتماعية؟ ولماذا وُضع قانون الصحافة والنشر إذا كان “المؤثّر” يستفيد من الإشهار دون ضوابط، في حين تُحرم منه المؤسسات التي تعتمد عليه كمورد أساسي للبقاء؟ أليس هذا تضييقا ممنهجا على ما تبقى من مهنة السلطة الرابعة؟

إن ما يقع في كأس إفريقيا ليس سوى نموذج صارخ لعبث مستمر، يضرب في العمق صورة بلد مقبل على تنظيم تظاهرات عالمية، ولا يمكنه أن يسمح لنفسه بإدارة فضاءات مهنية بمنطق الارتجال والعلاقات. فالدولة والمؤسسات الوصية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتوضيح رسمي يحدد المسؤوليات، ويضع حداً لهذا الانفلات، قبل أن تتحوّل المعاناة إلى قطيعة نهائية بين الصحافي ومجاله الطبيعي، وتُفرغ الصحافة من دورها الرقابي والتنويري في واحدة من أهم المحطات الرياضية في تاريخ البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى