ثقافة وفن

حينما تصبح الشاشة الفضية جسراً لترسيخ الوعي وبناء قيم الإدماج الاجتماعي

قافلة "سينما الطفل" بخريبكة:

سليم لواحي 

في إطار الفعاليات الموازية للدورة الـ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة لعام 2026، تواصل مؤسسة المهرجان تكريس أدوارها الثقافية والتربوية من خلال برامج نوعية تستهدف الناشئة. وتأتي “قافلة سينما الطفل” كواحدة من أبرز المحطات التي تسعى إلى زرع شغف الصورة والسينما في قلوب أجيال الغد، متخذة من الخزانة الوسائطية مجمع الشريف للفوسفاط (Médiathèque OCP Khouribga) فضاءً مركزياً لاحتضان هذا الوهج الإبداعي.

تتجاوز هذه القافلة البعد الترفيهي العابر لتتحول إلى مشروع سوسيو-ثقافي متكامل، إذ تمكنت عبر هندسة بيداغوجية دقيقة من المزاوجة بين عرض أفلام الرسوم المتحركة الإفريقية وتأطير ورشات تفاعلية متخصصة، مكرسةً مبدأ العدالة المجالية والنوعية في الولوج إلى الفن السابع.

لغة الأرقام:

عدالة مجالية وإدماج كامل لشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة

حققت القافلة في هذه الدورة حصيلة كمية ونوعية تعكس عمق امتدادها الميداني وقدرتها على الوصول إلى مختلف الفئات الاجتماعية، وهو ما تترجمه المؤشرات الإحصائية الدقيقة التالية:

  • إجمالي عدد المستفيدين: بلغ العدد الإجمالي للأطفال الذين واكبوا أنشطة القافلة واستفادوا منها 1200 طفل وطفلة.
  • الوسط القروي: في التفاتة قوية لفك العزلة الثقافية، استفاد 400 طفل من أبناء العالم القروي، وتحديداً تلاميذ مؤسسات جماعة “المفاسيس” (مركزية م.م معاذ بن جبل، وفرعيتي الغزال والسكان).
  • الوسط الحضري: شمل البرنامج 500 طفل من تلاميذ المؤسسات التعليمية ببلدية خريبكة (مثل مدارس سنابل إقرأ، دار الزيتون، حي المسيرة، وفاطمة الزهراء البيوت).
  • الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة: تجسيداً لقيم التضامن وتكافؤ الفرص، خصصت القافلة حيزاً هاماً استفاد منه 300 طفل من هذه الفئة الحيوية.

وفي تصريح الفنان والفاعل الثقافي هشام سكومة حول القافلة :

أكد الفنان والمؤطر الثقافي هشام سكومة، المشرف على برنامج سينما الطفل، على الخلفيات الفلسفية والاجتماعية  والأبعاد الإنسانية لهذه المبادرة قائلاً:

“إن قافلة سينما الطفل في هذه الدورة لم تكن مجرد شاشة متنقلة لعرض الأفلام، بل كانت مختبراً حقيقياً لصناعة الوعي البصري وتعميق الهوية الإفريقية لدى الناشئة. الأرقام التي سجلناها هذا العام، وخاصة استهداف 400 طفل في العالم القروي و300 طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، تعكس التزامنا المشترك داخل مؤسسة المهرجان بجعل السينما حقاً مشاعاً للجميع دون إقصاء أو تمييز.

لقد لمسنا طاقة إبداعية مذهلة لدى الأطفال أثناء تفاعلهم مع الأنشطة، من أداء النشيد الوطني والرقصات التعبيرية الإفريقية، وصولاً إلى النقاشات العفوية والعميقة حول الأفلام المعروضة.

السينما بالنسبة لهؤلاء الأطفال هي المكان حيث يبدأ الحلم، ونحن هنا لنمنحهم الأدوات والوسائل التقنية والجمالية لترجمة تلك الأحلام إلى قيم سلوكية ونقدية تحميهم في عالم يفيض بالصور الرقمية غير الموجهة.

دينامية الورشات التكوينية: تخصص وتنوع

تميزت الهيكلة التربوية للقافلة بتوزيع دقيق للورشات التكوينية التي أشرف عليها فنانون ومختصون، بهدف تزويد الأطفال بآليات تفكيك الخطاب السينمائي ومبادئ التعبير الفني، وتوزعت الحصيلة الإحصائية والموضوعاتية للورشات كالتالي:

  • برنامج سينما الطفل: أشرف عليه الفنان هشام سكومة، محققاً الاستفادة الكاملة للمجموعة المستهدفة بـ 1200 مستفيد، حيث ركّز البرنامج على تقديم ورشات تعريفية موجزة حول مهرجان السينما الإفريقية، ودردشات مصغرة حول الأفلام لحث الأطفال على التعبير والتحليل.
  • ورشة ألوان السينما: حظيت بمواكبة 100 مستفيد، وكانت من تأطير وتنشيط الفنانة زينب النيري، وهي ورشة تشكيلية ركزت على البعد البصري والجمالي وعلاقته بالألوان الفنية داخل الفضاءات السينمائية.
  • ورشة اللغة السينمائية: تولى تأطيرها الفنان بلعيد أكرديس، وسعت إلى تلقين الناشئة القواعد الأساسية لتقنيات التصوير، وحركة الكاميرا، وكيفية بناء الحكاية من خلال الصورة المتحركة.

خريطة العروض السينمائية: نافذة على الإبداع الإفريقي للرسوم المتحركة

وفقاً لما توثقه الملفات والبرامج الرسمية ، فقد امتد البرنامج السينمائي الموجه للأطفال (Cinéma Junior) على مدار أسبوع كامل محتوياً على عروض صباحية يومية في الساعة العاشرة صباحاً بالخزانة الوسائطية. وشملت هذه العروض باقة مختارة من أفلام التحريك الإفريقية والمغربية قصيرة المدى ذات الحمولة القيمية والجمالية العالية:

  • فيلم “Sweat“ للمخرج أنس حاتم (بمدة عرض تبلغ 5 دقائق)، والذي عُرض يومي الإثنين 1 يونيو والخميس 4 يونيو 2026.
  • فيلم “Onya-Zango“ للمخرج بازا أولي ريك جويل (بمدة عرض تبلغ 6 دقائق)، وعُرض يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.
  • فيلم “Dyla“ للمخرج نفسه بازا أولي ريك جويل (بمدة عرض تبلغ 8 دقائق)، وعُرض يوم الأربعاء 3 يونيو 2026، وتلاه لقاء مفتوح ومباشر للأطفال مع السينمائيين لتقريبهم من كواليس صناعة الأفلام.

في صريحات الأطفال عفوية وشغف جميل :

أمين (10 سنوات – تلميذ بمدرسة جماعة المفاسيس، الوسط القروي)

“أنا فرحان بزاف حيت القافلة جات هاد العام حتال البادية. أول مرة كنشوف شاشة سينما حقيقية وكنتفرج مع صحابي في رسوم متحركة إفريقية كتشبه لينا في الملامح وفي اللبس. وعجبني بزاف ملي لعبنا الألعاب الحركية مع الفنّان سكومة، حيت فكرتني في الألعاب اللي كنلعبوها ديما في الدوار

مريم (9 سنوات – من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، خريبكة)

“المهرجان هاد العام كان زوين بزاف حيت استقبلنا بحب وفرحة في الخزانة الوسائطية للمجمع الشريف للفوسفاط. حسيت براسي وسط عائلتي، وشاركت في الرقصات الإفريقية والنشيد الوطني مع كاع الأطفال بلا ما نحس بلي كاين شي فرق بيناتنا. السينما خلاتنا نحلمو كاملين ونفرحو من قلبنا.”

يوسف (11 سنة – مشارك في ورشة “ألوان السينما”، الوسط الحضري)

“شاركت في ورشة ‘ألوان السينما’ مع الفنانة زينب النيري، وتعلّمت بلي الألوان اللي كنشوفوها في الشاشة ماشي غير زينة، ولكن كتعبر على مشاعر الشخصيات بحال الفرح أو الخوف أو الحزن. رسمنا ولونا بزاف، ومن اليوم مابقيتش غادي نشوف الأفلام بنفس الطريقة، وليت كنفهم لغة الألوان.”

آية (8 سنوات – تلميذة بمدارس “سنابل إقرأ”، الوسط الحضري)

“عجبني بزاف فيلم الرسوم المتحركة ‘Dyla’ اللي شفناه مجموعين. القصة كانت ممتعة بزاف والموسيقى الإفريقية خلاتنا نتحركو ونصفقو بحماس. وملي سالا الفيلم، هضرنا مع المخرج وسولناه كيفاش كيرسم هادوك الشخصيات ويخليها تتحرك، هادي أحسن حاجة عشتها هاد العام .

تُختتم فعاليات هذا البرنامج المتكامل يوم السبت 6 يونيو 2026 بتنظيم حفل رسمي مخصص لتوزيع شواهد المشاركة والتقدير على الأطفال المستفيدين، وتوزيع جوائز رمزية ضمن مسابقة الأفلام الروائية والقصيرة، في خطوة تشجيعية تهدف إلى تحفيز المبدعين الصغار وضمان استدامة الأثر الثقافي الذي تركته القافلة في نفوسهم.

إن نجاح قافلة “سينما الطفل” بخريبكة لعام 2026 يثبت مجدداً أن الاستثمار في الرأسمال البشري اللامادي، والنزول بالفن إلى الهوامش والقرى والمؤسسات، هو الضمانة الحقيقية لبناء جمهور سينمائي واعي، يحمل الهوية الإفريقية في قلبه وينفتح على العالم بروح جمالية مبدعة.

السينما الإفريقية وتشكيل وعي الناشئة:

 قراءة في دلالات قافلة “سينما الطفل” بمهرجان خريبكة الدولي

تتواصل فعاليات الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة (FFICAK) في الفترة الممتدة من 30 ماي إلى 6 يونيو 2026، محتفيةً بمحطة تاريخية فارقة تتمثل في الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس هذا المحفل القاري العريق (1977–2026). وفي خضم هذا المسار الممتد، يبرز الاهتمام المتزايد بترسيخ الثقافة السينمائية لدى الناشئة كأحد الرهانات الاستراتيجية والجمالية التي تتبناها مؤسسة المهرجان. وهو توجه يتجسد بوضوح في الملصق الخاص بقسم “سينما الطفل” (Cinéma pour Enfant) ، والذي يحمل شعاراً مكثف الدلالة: “حيث يبدأ الحلم” (Là où le rêve commence).

قراءة في ملصق الحدث

“سينما الطفل”: من اللعبة الشعبية إلى بكرة الشاشة

يقدم المهرجان في الملصق ثقافة بصرية غنية بالرموز والدلالات التي تتجاوز مجرد الدعاية للحدث لتطرح رؤية ثقافية متكاملة حول علاقة الطفل بالفن السابع. يتصدر المشهد طفلان إفريقيان في حالة ركض مفعم بالحيوية والفرح، حيث يقوم أحدهما بدحرجة بكرة شريط سينمائي ضخم باستخدام عصا خشبية صغيرة.

هذه الصورة تعيد بذكاء إنتاج اللعبة الشعبية التقليدية الشهيرة في التراث الإفريقي والمغربي القديم (دحرجة الأطواق الحديدية بالعصا)، لكنها تستبدل الطوق التقليدي بعجلة السينما وشريطها الممتد على الأرض. هنا، تتحول السينما من أداة تقنية معقدة أو منتج استهلاكي جامد نتابعه في قاعات مغلقة، إلى “لعبة مألوفة” تدخل فضاء الطفل اليومي المفتوح، مما يجعل الصورة المتحركة جزءاً لا يتجزأ من بيئته الوجدانية وتجربته الحركية والترفيهية.

أما على مستوى الألوان، فإن الطاغي على خلفية الملصق هو اللون البرتقالي الترابي أو الآجوري الدافئ. هذا الاختيار يحمل دلالة مزدوجة؛ فهو من جهة يرمز إلى جغرافية الأرض الإفريقية الشاسعة وهويتها البصرية الدافئة، ومن جهة أخرى يحيل على الطبيعة الجيولوجية لمدينة خريبكة وبيئتها المرتبطة بصناعة واستخراج الفوسفاط. يمنح هذا التناغم اللوني عمقاً ترابياً يجعل من عملية “توطين السينما” في عقول الأطفال عملية نابعة من تربة الأرض والأصالة، وليست ثقافة هجينة أو وافدة بلا جذور.

فلسفة ترسيخ الثقافة السينمائية لدى الطفل: “حيث يبدأ الحلم”

إن اختيار شعار “حيث يبدأ الحلم” المكتوب على واجهة الملصق يفتح أفقاً تحليلياً حول الوظيفة التنموية والتربوية للفن السابع في بناء الطفولة. فالطفل في المقاربة الحديثة لمؤسسة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة ليس مجرد مستهلك كمي للمشاهد، بل هو ذات حالمة تبحث عن نماذج تعبيرية تفهم من خلالها العالم المحيط بها. الاستثمار في سينما الطفل يسعى بالأساس إلى نقل الناشئة من حالة “التلقي السلبي العشواني” إلى حالة “المشاهدة الواعية والناقدة”، وتتجلى دلالات هذا الترسيخ في عدة أبعاد:

  • تطوير التفكير النقدي وبناء الذوق: إن تعليم الطفل كيفية تفكيك الصورة السينمائية وفهم أبعادها الدرامية والجمالية ينمي لديه حس الفرز والنقد منذ الصغر. هذا التكوين البصري يحميه من الرسائل النمطية التي قد تتدفق عبر وسائل الإعلام الرقمية الحديثة.
  • بناء الهوية وتعميق الانتماء القاري: من خلال عرض سينما إفريقية تحاكي ملامح الأطفال، قضاياهم، وبيئتهم المحلية —كما يظهر في الملامح السمراء الباسمة للطفلين على الملصق— يتم تعزيز ثقة الناشئة في هويتهم وثقافتهم. عندما يرى الطفل نفسه وثقافته ممثلة كبطل على الشاشة الكبيرة، يتولد لديه شعور عميق بالاعتزاز والانتماء لقارته.
  • إطلاق الطاقات الإبداعية: السينما هي الفضاء الأرحب “لحث الخيال وإطلاق الأحلام”. فمشاهدة حكايات سينمائية ملهمة تدفع الأطفال إلى التفكير في حلول للمشكلات وتخيل مستقبليات أفضل، بل وتلهم المتفوقين منهم ليكونوا صناع أفلام وروائيين في المستقبل.

السند المؤسساتي والالتزام التنموي بأجيال الغد

على مدى تسعة وأربعين عاماً (1977–2026)، لم يكن مهرجان خريبكة مجرد شاشة موسمية لعرض الأفلام، بل كان وما يزال مختبراً ثقافياً يتفاعل مع محيطه الاجتماعي والتربوي. ويظهر الملصق بوضوح التكامل المؤسساتي الذي يدعم هذه الرؤية الموجهة للطفل؛ إذ ينظم المهرجان تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مما يضفي بعداً استراتيجياً ووطنياً على رهان النهوض بالثقافة وصناعة إنسان الغد.

كما تتكامل الأدوار بين الفاعلين الاقتصاديين والترابيين في المنطقة؛ حيث يبرز الدعم المحوري والمسؤول للمجمع الشريف للفوسفاط (OCP) كشريك رسمي دائم يسهم في تمويل وتطوير الأنشطة الموجهة لساكنة الناشئة بالمنطقة، إلى جانب المركز السينمائي المغربي (CCM)، والمجالس المنتخبة المحلية والجهوية (جماعة خريبكة، العمالة، وجهة بني ملال خنيفرة). هذا الالتفاف المؤسساتي يوضح أن الاهتمام بسينما الطفل ليس مجرد نشاط ترفيهي عابر على هامش المسابقات الرسمية، بل هو مشروع تنموي مشترك يستثمر في الرأسمال البشري اللامادي.

وفي هذا السياق، تلعب الخزانة الوسائطية (Médiathèque) الحاضرة بشعارها في الملصق دوراً بنيوياً حاسماً. فهي تمثل الفضاء الحاضن والمستدام الذي يضمن استمرار هذه الثقافة السينمائية طوال السنة عبر الورشات التكوينية، وعروض الأندية السينمائية للأطفال، واللقاءات التفاعلية، مما يحول السينما من حدث موسمي مدته أسبوع إلى سلوك ثقافي يومي مستمر في حياة أطفال خريبكة.

في النهاية، يمكن القول أن سينما الطفل للدورة 26 من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة والموثق في الملف هو وثيقة بصرية تختزل رؤية جيل بأكمله. إن ركض الأطفال ودحرجتهم لبكرة الفيلم في فضاءات خريبكة هو تجسيد حي لاستمرارية الحلم السينمائي الإفريقي وتوريثه بأمانة للجيل الصاعد. ومن خلال هذه البنية المستدامة، تؤكد مؤسسة المهرجان أن صناعة مستقبل السينما في القارة والدفاع عن قيمها الجمالية والإنسانية يبدأ بالضرورة من عيون الأطفال، ومن ملاعب أحلامهم الأولى.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى