ديكتاتورية الأغلبية في ميزان الأمن القضائي: مساءلة بنيوية للهندسة الدستورية لمغرب ما بعد 2011 (مشروع 66.23 نموذجاً)

يناير.كوم – حمزة الشواي
دخل مسار التنزيل التشريعي لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة منعطفا دستوريا، سياسيا، ومؤسساتيا بالغ الدقة، عقب استكمال مسطرة المصادقة البرلمانية بمجلسيه، وإعمال رئيس مجلس النواب لآلية الإحالة الاختيارية على أنظار المحكمة الدستورية. وفي ظل حالة الانسداد القائم بين السلطة التنفيذية ومؤسسات الدفاع، يتجاوز النقاش طابعه القطاعي الصرف ليلامس عمق الهندسة الدستورية المغربية لسنة 2011، فارضا نقاشا جوهريا حول ثنائية الشرعية الدستورية الشكلية للنصوص، والمشروعية السوسيولوجية لتنزيلها، ومبرزا الحاجة الملحة لاستدعاء الآليات الدستورية البديلة لضمان الأمن القضائي الشامل.
1. شلل المرفق العام القضائي: تكلفة مجتمعية وتهديد لـ مناخ الاستثمار
لم يعد النزاع القائم مجرد تجاذب مهني عابر، بل تحول إلى أزمة هيكلية بعد انخراط أصحاب البذلة السوداء في أطول إضراب مفتوح ومقاطعة شاملة في تاريخ المهنة، شملت حتى المساعدة القضائية تعيينا وأداء. هذا التوقف وضع المرفق العام القضائي أمام شلل شبه تام، ليتصادم بذلك حقان دستوريان جوهريان: حق المحامين في الاحتجاج المهني والدفاع عن استقلالية رسالتهم، في مواجهة حق المتقاضين الثابت في الولوج السلس والمتبصر إلى العدالة والبت في المنازعات داخل أجل معقول (الفصل 120 من الدستور).
أ. التكلفة الاقتصادية الكلية وخطر عدالة بسرعتين
وإذا كان التحليل يركز غالبا على الاستنزاف المالي والنفسي للمتقاضي البسيط جراء تأجيل آلاف الملفات وإرباك الآجال الاسترشادية، فإن توسيع العدسة التحليلية يكشف عن تكلفة اقتصادية كلية باهظة. فالأمن القضائي واستقرار المعاملات يعدان رافعة أساسية لنجاح ميثاق الاستثمار الجديد وتنزيل مخرجات النموذج التنموي. إن الرأسمال، وطنيا كان أو أجنبيا، يبحث عن بيئة قضائية مستقرة تتسم بـ البت الناجز والأمن التعاقدي؛ وشلل المحاكم يرسل إشارات سلبية تقوض منسوب الثقة العامة في مناخ الأعمال.
سرعة أولى: تلجأ إليها الشركات الكبرى والرساميل عبر آليات بديلة لفض نزاعاتها كـ التحكيم التجاري والوساطة الاتفاقية الخاصة.
سرعة ثانية: يُترك فيها المتقاضي العادي رهينة للمحاكم المعطلة، مما يفرغ المبدأ الدستوري القاضي بالمساواة أمام القانون والقضاء من محتواه المادي والعملي.
ب. عنق الزجاجة الرقمي: رهان التحديث في مواجهة جدار الاستعصاء
لا تقف كلفة الأزمة عند حدود هدر الزمن القضائي التقليدي، بل تمتد لتعطيل الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي لمنظومة العدالة. إن الانتقال نحو المحكمة الرقمية والتدبير اللامادي للإجراءات يظل رهينا بالانخراط العضوي للمحامين كفاعلين أساسيين في تشغيل المنصات الإلكترونية وتغذيتها بالمدخلات القانونية.
وبناء عليه، فإن فرض قانون مهني يفتقد للتوافق يحول مهنة المحاماة من شريك في التحديث التكنولوجي إلى عنق زجاجة يعطل الانتقال الرقمي للمرفق القضائي برمته، مما يهدد بجعل البرامج القطاعية مجرد واجهات تقنية معزولة عن بيئتها البشرية والمهنية.
ج. حرج السلطة القضائية المستقلة: القضاة بين إكراهات الشلل وحتمية الحياد المؤسساتي
لا تقتصر كلفة هذا الشلل المرفقي على أطراف الخصومة القضائية والفاعلين الاقتصاديين فحسب، بل تضع السلطة القضائية المستقلة – بجهتيها الجالسة والواقفة – في حرج دستوري ومؤسساتي بالغ التعقيد. فمن جهة، يجد ‘المجلس الأعلى للسلطة القضائية’ و’رئاسة النيابة العامة’ نفسيهما أمام وضعية استعصاء ميداني تعطل الآجال الاسترشادية للأحكام وتراكم الملفات وتضرب نجاعة القضاء، وهي مؤشرات تحاسب عليها السلطة القضائية دستورياً. ومن جهة أخرى، يفرض مبدأ فصل السلط على القضاة التزام الحياد التام وعدم التدخل في نزاع ذي طبيعة تشريعية وسياسية بين الحكومة وهيئات الدفاع. هذا الوضع يحول الجهاز القضائي إلى ‘ضحية صامتة’ للاستقطاب؛ حيث يواجه القضاة يومياً معضلة تقنية وأخلاقية تتمثل في عقد جلسات صورية تُؤجل قسراً لغياب المساعدين الأصليين للقضاء، مما يعمق الفجوة بين طموح استقلال السلطة القضائية وواقع إكراهات تسيير المرفق العام المأزوم.
2. المقاربة الشمولية: متلازمة قوانين المسطرة والنسقية التشريعية
لفهم الجذور العميقة للأزمة، لا يمكن عزل قانون المحاماة عن باقي النصوص المحيطة به ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة. فالاحتقان الحالي ليس وليد اللحظة أو مقتصراً على قانون المهنة، بل هو امتداد للرفض الواسع الذي قوبل به مشروع قانون المسطرة المدنية ومشروع قانون المسطرة الجنائية.
إن هذا المسار المتشنج يعكس ما نسميه بمتلازمة قوانين المسطرة، حيث يسود توجس هيكلي مشروع لدى أصحاب البذلة السوداء من هندسة تشريعية تقزم أدوارهم وتضرب ضمانات الدفاع في المنظومة ككل. ويتجلى هذا الغلو المعياري في مقتضيات عينية تضمنها مشروع 66.23، شكلت بؤرة للاحتقان؛ وفي طليعتها:
الجدل المحتدم حول نمط مراقبة أموال وحسابات الودائع والشهادات وإخضاعها لرقابة مالية وإدارية خارجية يراها المحامون مساً بالسر المهني واستقلالية الهيئات.
التدابير المتعلقة بـ تسقيف سن الولوج للمهنة وتغيير شروط وطبيعة امتحان الكفاءة.
المقتضيات التي تتيح توسيع صلاحيات النيابة العامة في تحريك مساطر المتابعات التأديبية ضد المحامين وضبط الجلسات.
بالتالي، فإن أزمة مشروع 66.23 هي تعبير عن رفض لنسقية تشريعية متكاملة تراها هيئات الدفاع ماسة بجوهر رسالتها وحصانتها التاريخية، وليست مجرد مطالب فئوية معزولة.
3. المقاربة الحقوقية: مفارقة الرقابة الاتفاقية وتلازم الاستقلالين
تستمد هيئات المحامين مشروعية مطالبها من مرجعيات حقوقية كونية تتجاوز التشريع المحلي لتلامس الالتزامات الدولية للمملكة المغربية. وتأتي في طليعة هذه المرجعيات مبادئ هافانا الأساسية بشأن دور المحامين (1990)، والتي تؤكد أن استقلالية مهنة المحاماة، وحرية التعبير المهني، والتنظيم الذاتي (بما في ذلك حصانة الدفاع واستقلالية التدبير المالي لصناديق الودائع) ليست مجرد مكتسبات نقابية فئوية، بل هي معايير أممية تكفل حق الدفاع واستقلالية منظومة العدالة.
من الناحية الحقوقية، يشكل التعاطي مع أصحاب البذلة السوداء بمنطق القطاع الخدماتي الخاضع للوصاية الإدارية تجاوزا لكون الدفاع شريكا أصليا في إنتاج العدالة، ولحمولة تاريخية وحقوقية تعد صمام أمان للحريات العامة. ويستند الدفع المرجعي للمحامين إلى أن استقلال جهاز الدفاع شرط وجودي للمحاكمة العادلة، وأن أي مساس به يشكل خرقا لمنظومة الحقوق الدستورية المكفولة في الفصول 117، 118، و120 من الوثيقة الدستورية.
أ. تلازم الاستقلالين: جدلية السلطة القضائية ومؤسسات الدفاع
تطرح الأزمة سؤالا فلسفيا ودستوريا حول مدى اكتمال بنية استقلال القضاء المعززة بموجب إصلاحات ما بعد 2011 في غياب استقلال مواز وحصين لجهاز الدفاع. إن فقه القضاء الدستوري المقارن يرى في المحاماة سلطة مضادة داخل الجلسة، تضمن توازن القوى وحياد القاضي.
ومن ثم، فإن أي محاولة لتكبيل التنظيم الذاتي للمحاماة أو إخضاعها المفرط للرقابة الإدارية والمالية الخارجية، يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى إضعاف شروط المحاكمة العادلة، ويجعل من استقلال السلطة القضائية بنية فوقية تفتقد لأساسها الحقوقي التحتاني الذي يمثله دفاع حر ومستقل.
ب. إشكال السمو والرقابة الاتفاقية
هنا يبرز إشكال حقوقي ودستوري دقيق يتعلق بمبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المكرس في تصدير دستور 2011. وتظهر المفارقة هنا في شقين:
أولا: الصياغة المرنة لتصدير الدستور التي قيدت هذا السمو بعبارة في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية، مما يفتح باب التأويل السلبي لمفهوم الملاءمة.
ثانيا: تخندق القاضي الدستوري (المحكمة الدستورية) خلف مبدأ الاختصاص الحصري؛ حيث يقتصر نظرها في إطار الرقابة القبلية (الفصل 132) على فحص مطابقة القوانين للمتن الدستوري، رافضة بسط ولايتها على رقابة الملاءمة الاتفاقية.
إن نقل عبء الرقابة الاتفاقية لاحقا إلى محاكم الموضوع (القاضي العادي) قد يدفع بعض القضاة إلى تغليب النص الدولي وإهمال النص الداخلي، مما يهدد باللاأمن القضائي والتضارب الحمائي للحقوق.
4. المقاربة الدستورية والقانونية: مأزق الفعالية المعيارية واختبار الأمن التشريعي
دفع استكمال المسطرة التشريعية برئيس مجلس النواب إلى تفعيل المقتضيات المخولة له بموجب الفصل 132 من الدستور، محيلا النص على المحكمة الدستورية. ورغم أهمية هذه الخطوة التي نقلت الأزمة إلى المرحلة المؤسساتية، فإن الفقه الدستوري وسوسيولوجيا التشريع يؤكدان أن جودة النص التشريعي لا تقاس فقط باستيفاء الشكليات المسطرية وإقراره بـ الأغلبية العددية والتصويت البرلماني.
أ. أزمة التناسبية: الغلو التشريعي في مواجهة الحرية المهنية
من زاوية فقه القانون الدستوري، يصطدم مشروع القانون 66.23 بمبدأ التناسبية والضرورة التشريعية. فإذا كانت غاية الدولة هي تجويد الحكامة المالية للمهنة وضخ دماء جديدة في النخب المهنية، فإن الوسائل المعتمدة (توسيع الرقابة الخارجية الصارمة، منع الترشح المتوالي للنقباء، وتقليص الحصانة المهنية) تتسم بـ الغلو المعياري الذي يتجاوز الغاية المشروعة ليمس بجوهر الحق في التنظيم الذاتي. إن هذا الاختلال في التناسب يعزز من أطروحة الشرعية الشكلية، حيث يصبح النص مستوفيا للمسطرة الخارجية لكنه يحمل عيب التعسف في استعمال السلطة التشريعية بالمفهوم الدستوري الحديث.
ب. فقه القضاء الدستوري المقارن: سابقة المجلس الدستوري الفرنسي (2006)
يؤكد الفقه المقارن أن نيل النص لصك البراءة الدستورية لا يعني حتمية نجاحه سياسيا وسوسيولوجيا. وتعد أزمة عقد العمل الأول (CPE) بفرنسا سنة 2006 السابقة الفقهية الأبرز؛ فرغم إقرار المجلس الدستوري الفرنسي بمطابقة القانون التامة للدستور، فإن الرفض المجتمعي والاحتجاجات العارمة دفعت رئيس الجمهورية (جاك شيراك) إلى تفعيل صلاحياته الدستورية لتعليق تنفيذه وتكليف الحكومة بصياغة نص بديل. تثبت هذه السابقة أن الشرعية الشكلية تستوجب دائما مشروعية مجتمعية وقبولا عاما لتأمين الفعالية المعيارية للقاعدة القانونية في بيئتها التطبيقية.
ج. الأمن القانوني وسلاح الرقابة البعدية (الفصل 133)
ودأبت المحكمة الدستورية المغربية في اجتهاداتها المتواترة على ترسيخ الأمن القانوني كحق دستوري مبني على قرينة ضمان الحقوق وتحصين المراكز القانونية، وهو ما ينهار كليا في ظل قاعدة قانونية تولد مشلولة لتعذر إنفاذها ميدانيا.
وما يزيد الوضع تعقيدا، هو دخول القانون التنظيمي المتعلق بـ شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون حيز التطبيق (تفعيلا للفصل 133 من الدستور). إن هذا التفعيل يضع بيد المحامين سلاح الرقابة البعدية الفتاك؛ فبمجرد نشر القانون بالجريدة الرسمية، سيكون عرضة للطعن الفرعي بمناسبة أي نزاع قضائي يثار فيه مساس النص بالحقوق والحريات. هذا السيناريو سيؤدي حتما إلى إغراق المحاكم بمساطر إيقاف البت وإحالة الدفوع على المحكمة الدستورية، مما يكرس استحالة إنفاذ تشريع يفتقد للمشروعية المجتمعية.
5. المقاربة السياسية: تشنج المقاربة الحكومية وأعطاب الوساطة البرلمانية
قبل أن تصل الأزمة إلى قبة البرلمان لتصطدم بـ’ديكتاتورية الأغلبية العدديّة’، تقع المسؤولية السياسية والمؤسساتية الأولى على عاتق السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارة العدل كقطاع وصي. فقد اتسمت المقاربة الحكومية في تدبير هذا الورش بغياب رؤية تواصلية مرنة واستبدال المقاربة التشاركية الحقيقية بـ’منطق فرض الأمر الواقع التشريعي’، مما أدى إلى إجهاض قنوات الحوار القطاعي مبكراً وتعميق أزمة الثقة بين الوزارة والشريك المهني.
وبسبب هذا الانغلاق الحكومي الأولي، انتقل النص مأزوماً إلى المؤسسة التشريعية، لتعري الأزمة بشكل جلي عن قصور قنوات الوساطة المؤسساتية الكلاسيكية، وتبرز محدودية الديمقراطية التمثيلية حينما تتحصن خلف الشرعية العددية (الأغلبية البرلمانية الصامتة). فالبرلمان، الذي يفترض فيه أن يكون فضاء سياسيا لامتصاص التوترات وتجويد النصوص عبر التوافق، بدا عاجزا عن استيعاب نبض المهنيين واكتفى بالتصويت الآلي، مما أجهض وظيفة المؤسسة التشريعية كـ ممتص للصدمات المجتمعية.
وقد تعزز هذا الانسداد السياسي بإعلان مؤسسة وسيط المملكة عدم اختصاصها، نظرا لانتفاء طبيعة النزاع المرفقي التقليدي (بين إدارة ومرتفق)، وكون الملف يتعلق بمسار تشريعي سيادي يمس فصل السلط وطبيعة الخيارات التشريعية الكبرى للسلطتين التنفيذية والتشريعية.
6. الاستشراف الدستوري: صمامات الأمان وآليات تجاوز الاستعصاء المؤسساتي
أمام إغلاق منافذ الحوار الثنائي، واقتصار أدوار المحكمة الدستورية على الفحص القانوني الصرف، يتضح أن أزمة مشروع قانون المحاماة تتطلب تفعيل الآليات السيادية العليا التي اختزنتها الهندسة الدستورية لعام 2011 لتجاوز حالات الاستعصاء المؤسساتي عبر السيناريوهات التالية:
أ. سيناريو الملاءمة الدستورية المشروطة (المحكمة الدستورية)
أن تصدر المحكمة الدستورية قرارا تقر فيه بمطابقة المشروع في كليته للدستور من حيث الشكل، لكن مع إرفاقه بـ تحفظات تفسيرية ملزمة. هذا التوجه الفقهي سيعيد تأويل المقتضيات الخلافية بما ينسجم مع روح الدستور والمواثيق الدولية، مما يوفر مخرجا قانونيا يمتص الاحتقان دون إسقاط النص.
ب. مسطرة طلب قراءة جديدة (الفصل 95 من الدستور)
تتيح الوثيقة الدستورية لجلالة الملك حق طلب إجراء قراءة جديدة للنص التشريعي بمجلسي البرلمان بمقتضى خطاب سامٍ. هذا الإجراء يمتلك أثرا مسطريا واقفا للاعتماد، ولا يمكن للمؤسسة التشريعية رفضه، مما يفتح مساحة سياسية للحكومة والبرلمان لإدخال تعديلات توافقية جوهرية تسحب فتيل الاحتقان بعيدا عن منطق لي الأذرع السياسي.
ج. الأجل الدستوري للإصدار (الفصل 50) والمبادرة التعديلية (الفصلان 78 و84)
يحدد الدستور (الفصل 50) أجلا أقصاه 30 يوما لإصدار الأمر بتنفيذ القانون (الظهير الشريف) بعد ثبوت دستوريته. تمثل هذه المساحة الزمنية أداة دستورية صامتة للتهدئة وتجميد النص مؤقتا لفتح قنوات تفاوض خلفية قبل النشر في الجريدة الرسمية.
كما تحتفظ السلطتان التنفيذية والتشريعية بصلاحية التدخل البعدي المستعجل (الفصلان 78 و84) عبر إيداع مقترح أو مشروع قانون معدل ومتمم بشكل مستعجل لسحب أو تعديل المقتضيات التي ثبتت عدم قابليتها للتنزيل الميداني.
د. تفعيل مؤسسة التحكيم الملكي الأسمى (الفصل 42 من الدستور)
باعتباره رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، والضامن لدوام الدولة واستمرارها، والحَكَم الأسمى بين مؤسساتها، يضطلع جلالة الملك بمهمة السهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات. وتستمد مؤسسة التحكيم الأسمى مشروعيتها الاستثنائية من تجردها التام عن الحسابات السياسية أو الفئوية المباشرة؛ حيث يحتكم الملك حصرا لتجسيد المصلحة العامة وصيانة الأمن القضائي، مستندا إلى التوجيهات الاستراتيجية الملكية التي تعتبر إصلاح العدالة ورشا مجتمعيا شاملا يتطلب التوافق والتشارك وفق مقاربة وطنية مندمجة.
في المحصلة، إن أزمة مشروع قانون المحاماة 66.23 ليست مجرد خلاف قطاعي حول مكتسبات مهنية، بل هي تمرين ديمقراطي ومؤسساتي يقيس بدقة المرونة الاستيعابية للمنظومة الدستورية المغربية في مواجهة اختناقات التنزيل التشريعي التي راهنت حصرا على المنطق العددي. وفي ظل استحالة إنفاذ تشريع يفتقد للقبول من لدن الفئة الموكول إليها عبء تطبيقه ميدانيا، يبقى الاستناد إلى روح الوثيقة الدستورية الحية وتفعيل الصمامات التوافقية العليا—وعلى رأسها التحكيم الأسمى ومسطرة القراءة الجديدة—هو الخيار المؤسساتي الأنجع لإعادة التوازن المفقود، وصيانة هيبة القانون، وتكريس الأمن القضائي كبنية تحتية غير قابلة للاهتزاز في مسار بناء الدولة التنموية الحديثة.



