
يناير.كوم ـ د. حمزة الشواي
تكشف الممارسة السياسية والانتخابية بالمغرب عن انزياح صريح عن المقتضيات والمقاصد الدستورية المؤطرة للمشهد المؤسساتي؛ ففي الوقت الذي أسند فيه المشرع الدستوري للأحزاب السياسية، بمقتضى الفصل السابع من دستور 2011، وظائف تأطير المواطنات والمواطنين، وتكوينهم السياسي، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، وإفراز النخب المؤهلة لتدبير الشأن العام، والتزاما بمبادئ الحكامة المالية والديمقراطية الداخلية المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، تنتهي المساطر العملية لمنح التزكيات إلى تغليب سلطة النفوذ المالي والجاه وشبكات الأعيان، أو ما يعرف في الواقع السياسي بظاهرة أصحاب التمويل والنفوذ المالي غير المؤطر برامجيا والرأسمال المالي الانتخابي «مول الشكارة».
إن هذا التراجع عن تزكية كفاءات الطبقة المتوسطة والأطر الشابة الحاملة لبرامج واضحة والقدرة على الترافع المؤسساتي، يكرس أزمة تجديد النخب السياسية وتراجع جودة ومستوى الكفاءات التمثيلية، ويمثل إخلالا بجوهر الديمقراطية التمثيلية، وتعطيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور، مما يجرد الانتداب التمثيلي من مشروعيته السياسية والتعاقدية.
وتتجلى خطورة هذا الواقع في تحول الهيئات الحزبية من مؤسسات للتأطير وصياغة السياسات العمومية إلى هيئات انتخابية تعاني من محدودية الاستمرارية الوظيفية للأحزاب واقتصار نشاطها على الفترات الانتخابية، حيث يجري إخضاع مساطر الترشيح لمعيار القدرة المالية وتغليب التمويل المالي على الاستحقاق والكفاءة والالتزام السياسي.
ويؤكد التحليل السوسيولوجي للانتخابات أن رسملة التزكيات وتغليب معيار المال يؤديان إلى تكريس التبعية والزبونية، وتغييب الترافع البرلماني المسؤول، واستبدال التعاقد البرامجي بالولاءات الريعية والمصالح الفئوية؛ حيث تمنح التزكية لمن يمتلك القدرة على التعبئة وضمان المقاعد عبر شبكات التأثير التقليدية، لا لمن يمتلك مشروعا لإصلاح التدبير العمومي، أو تجويد الترسانة القانونية، أو الدفاع عن العدالة المجالية والاجتماعية.
ويعد استفحال ظاهرة “الترحال الحزبي” والانتقالات الموسمية قبيل كل استحقاق انتخابي من أبرز مظاهر هذا الاختلال، حيث تشكل هذه الممارسات تحايلا على روح الفصل 61 من الدستور المتعلق بتجريد كل عضو برلماني تخلّى عن انتمائه السياسي، ليتحول المشهد الانتخابي إلى «ميركاتو حزبي» مفتوح يحاكي أسواق انتقالات اللاعبين في كرة القدم؛ ميركاتو يظل بابه مشرعا للمساومات والمقايضات إلى غاية الساعات الأخيرة التي تسبق انقضاء الأجل القانوني لإيداع التصريحات بالترشيح.
ولعل أبرز تجليات هذا الحراك ما شهدته الساحة مؤخرا من استقطابات وانتقالات كبرى هزت موازين القوى، وفي مقدمتها الالتحاق البارز للوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة وتعيينه عضوا بمكتبه السياسي، إلى جانب التدافع الاستقطابي المتبادل بين مكونات الأغلبية والمعارضة، والذي طال حزب الحركة الشعبية بمغادرة عدد من منتخبيه، كما تجسد في انتقال مصطفى لخصم من “الحركة الشعبية” نحو حزب “الحركة الديمقراطية الاجتماعية”، فضلا عن التحاق ريم شباط بالحركة الشعبية، ومغادرة النائب مروان شبعتو (عن دائرة ميدلت) لصفوف حزب “الأحرار” نحو “البام”، واستقطاب أعيان في دوائر استراتيجية كسطات (عثمان بادل) وبرشيد، والتسابق على وجهاء وخزانات الأقاليم الجنوبية بدائرتي السمارة والعيون (محمد سالم الجماني وسيدي صالح الإدريسي).
وتصل مفارقات هذا “الميركاتو” ذروتها ببروز فئة من المنتخبين الذين أعلنوا استقالتهم وفك ارتباطهم بهيئاتهم الحزبية ليتحولوا إلى فاعلين بلا انتماء يبحثون عن تزكية بديلة في ربع الساعة الأخير، في مشهد يحاكي وضعية النجم الكروي حكيم زياش حين أصبح حرا بلا فريق وظل يترقب وجهة تعاقدية جديدة تحت ضغط الساعات الحاسمة لإغلاق نافذة الانتقالات.
وتتضح الأبعاد النفعية لهذا المسار حين تتحول المقاعد الانتدابية إلى وسيلة لتولي الحقائب الوزارية وللمشاركة في تدبير القطاعات الحكومية والمواقع الاستراتيجية ذات المردودية الاقتصادية، بهدف توظيف القرار التنفيذي في خدمة مصالح فئوية وتكريس مواقع الريع، على حساب المصلحة العامة.
إن هذا التداخل بين سلطة المال والقرار الإداري والسياسي يعطل مبادئ النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص في العمليات الانتخابية المنصوص عليها في الفصل 11 من الدستور، ويحول التنافس الانتخابي من حوار حول البرامج والتصورات إلى مقايضات انتخابية قائمة على المصالح الخاصة، مما يفاقم أزمة الثقة في المؤسسات ويؤدي إلى ارتفاع معدلات العزوف الانتخابي وتراجع نسب المشاركة السياسية.
إن عقلنة وتخليق الممارسة السياسية بالمغرب يقتضيان التفعيل الصارم لمقتضيات الفصل 36 من الدستور المتعلق بالوقاية من تضارب المصالح ومحاربة استغلال النفوذ، مع تعزيز الأدوار الرقابية للمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة في تدقيق مالية الأحزاب ومصادر تمويل الحملات الانتخابية. كما يتطلب الأمر إلزام الأحزاب بوضع ضوابط قانونية ومسطرية دقيقة وشفافة في أنظمتها الأساسية والداخلية لمنح التزكيات وفق معايير الاستحقاق والكفاءة، وقطع الطريق على ممارسات «الترحال الحزبي» وسلطة «مول الشكارة»؛ حتى لا تظل مقاعد التشريع والتدبير الترابي خاضعة لـ«الميركاتو الحزبي» والمال الانتخابي، وتستعيد المؤسسات الحزبية دورها الدستوري في ترسيخ الاختيار الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون.
*دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ومحام متمرن بهيئة الدار البيضاء


