دقيقة صمت تلامس أرواح الراحلين، وتأبين لعميد الفكر الإنساني إدغار موران
افتتاح تاريخي لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة:

خريبكة/ سليم لواحي
في ليلة استثنائية امتزج فيها سحر الفن السابع بشجن الوفاء وعمق الفكر، شهدت عاصمة الفوسفاط افتتاحاً تاريخياً للدورة السادسة والعشرين لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة. وافتتحت الدورة برفع ستار الاحتفاء وسط حضور وازن لثلة من صناع السينما، النقاد، والمثقفين من مختلف أنحاء القارة السمراء ومغاربها، ليرسم المهرجان مجدداً ملامح هويته كجسر للتواصل الإنساني والفكري.
لحظة الوفاء: دقيقة صمت تسكن القاعة
لم يكن الستار ليرتفع دون الالتفات إلى أولئك الذين وهبوا حياتهم للشاشة الكبيرة والوعي الإفريقي قبل أن يرحلوا إلى دار البقاء. في لحظة مهيبة خيم عليها الصمت والخشوع، وقفت القاعة بأكملها دقيقة صمت تقديراً وتأبيناً للأرواح الفنية التي غادرتنا مؤخراً، تاركةً خلفها إرثاً سينمائياً وتعبيرياَ يرفض الغياب.
هذه الالتفاتة، التي باتت تقليداً راسخاً في المهرجان، تجسد الروح الإنسانية للسينما الإفريقية؛ فهي سينما لا تنسى روادها، وتعتبر أن تكريم الراحلين هو تجديد لالتزام الأجيال الجديدة بمواصلة السيناريو الذي بدؤوه.
إدغار موران: الحاضر الغائب والاحتفاء برائد “سينما الواقع”
وفي التفاتة فكرية وتاريخية متميزة، سرقت الأضواء خلال حفل الافتتاح سناء فاضل التي ذكرت بفقدان هرم من أهرامات علم الاجتماع الحديث، وقد خصص المهرجان تكريماً استثنائياً واحتفاءً خاصاً بعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي الكبير إدغار موران.
وعلى عكس ما قد يتبادر للأذهان، فإن الاحتفاء بموران لم يكن تأبيناً لرحيله — فالرجل ما زال يربك السنين بوعيه المتوقد وهو يقترب من سن الـ 105 — بل كان احتفاءً بالحياة، بالفكر، وبالعلاقة العضوية التي ربطت هذا الفيلسوف بالسينما.
ويعتبر موران أحد أبرز من قاربوا الظاهرة السينمائية من منظور سوسيولوجي ونفسي، وتحديداً من خلال كتابه العمدة “السينما أو الإنسان المتخيل”، فضلاً عن كونه رائداً ميدانياً ساهم في تشكيل وعي “السينما المباشرة” وسينما الواقع عبر فيلمه الشهير Chronique d’un été (تأريخ لصيف) بالتعاون مع المخرج جان روش عام 1960.
إن استحضار اسم بحجم إدغار موران في افتتاح مهرجان للسينما الإفريقية يبعث برسالة قوية: أن السينما في خريبكة ليست مجرد ترفيه بصري، بل هي مختبر للمفاهيم، ومرآة للتعقيد الإنساني، ومنصة للمساءلة الفلسفية والاجتماعية.
نبض الشاشة الإفريقية يستمر
بين شجن الفقد لسينمائيين رحلوا بجسدهم وبقوا بأثرهم، وبين الاحتفاء الفكري بعميد السوسيولوجيا الإنسانية الذي كان ضيف المهرجان في دورته 22، أثبت مهرجان خريبكة في ليلته الأولى أنه يمتلك القدرة الدائمة على التجدد. إنها دورة تُفتتح تحت رداء الوفاء، لتعلن عن انطلاق رحلة جديدة من العروض والندوات التي تعد بتشريح واقع القارة السمراء وآفاقها من خلال عيون مخرجيه



