افتتاحية: خريبكة… بين وعود التشاور ومرارة الواقع

يناير.كوم – ياسين شريحي
انتهت لقاءات التشاور التي قادتها عمالة إقليم خريبكة، وانتهى معها ذلك الزخم الذي يُعاد كل بضع سنوات: كلمات افتتاحية، صور رسمية، عروض تقنية، ووعود مُطمئِنة. لكن الساكنة تدرك جيدا أن لحظة التشاور ليست سوى بداية الأسئلة… وليست أبدا نهاية القلق.
وفي صلب هذا القلق، يبرز السؤال الذي يشبه الهمس الجماعي:
هل ستتحقق فعلاً أماني الساكنة؟ أم أن التشاور كان مجرد طقس إداري آخر في مسار طويل من الانتظارات المؤجلة؟
خريبكة… بين وعود التشاور ومرارة الواقع: هل تتحقق أماني الساكنة؟
لا يحتاج المتتبع للشأن المحلي في إقليم خريبكة إلى كثير من العناء ليكتشف أن الساكنة باتت تنظر إلى لقاءات التشاور بعينٍ يملؤها الشك أكثر مما يملؤها الأمل، فسنوات من الشعارات اللامعة، والبرامج التي تبدأ صاخبة وتنتهي صامتة، جعلت المواطنين يطرحون السؤال الذي يهرب منه الجميع: ما جدوى التشاور إن كان مصير توصياته الأدراج؟
منذ مدة، والإقليم يعيش على وقع انتظارات ثقيلة: أزمة ماء خانقة، بطالة شابة تتسع دائرتها، خدمات اجتماعية بالكاد تشتغل، وبنية تحتية تبدو متعبة مثل مواطنيها، ورغم أن لقاءات التشاور هي فرصة لإعادة الثقة وربط الجسور بين المسؤول والمواطن، إلا أن جزءا كبيرا من الساكنة يتعامل معها اليوم كـ”طقس إداري” أكثر مما يتعامل معها كآلية ديمقراطية تُصنع فيها الحلول وتُبنى فيها الالتزامات.
أين الخلل؟
الخلل، ببساطة، في الهوة الواسعة بين الخطاب والتنفيذ! بينما يتحدث المسؤولون عن “رؤية شمولية” و“برامج مهيكلة”، يطالب المواطن فقط بما هو أبسط: ماء لا ينقطع، طريق بلا حفر، مركز صحي بموارد بشرية كافية، نقل عمومي يحترم الإنسان، وشغل يحفظ الكرامة، ومع ذلك، ما زالت هذه المتطلبات تُعامل أحيانا كرفاهية لا كحقوق.
الساكنة لم تعد تقنعها العروض التقديمية ولا الكلمات الافتتاحية، الناس يريدون شيئا واحدا: جداول زمنية واضحة، التزامات قابلة للقياس، ومتابعة تُحاسِب قبل أن تُصفّق.
من يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية مشتركة، لكن ثقلها الأكبر يقع على المؤسسات المنتخبة والسلطات المعنية بوضع وتنفيذ برامج التنمية. ومهما كان حجم التحديات، فإن العجز عن تحقيق الحد الأدنى من انتظارات المواطنين ليس “قدَراً تنمويا”، بل نتيجة لغياب جرأة اتخاذ القرار، وضعف التنسيق، والاكتفاء بردود فعل بدل التخطيط المسبق.
هل تتحقق أماني الساكنة؟
سؤال مؤلم، لكنه مشروع!
الحقيقة أن تحقق الأماني ليس مستحيلاً، لكنه أيضا ليس مضمونا. يعتمد ذلك على مدى استعداد الفاعلين للانتقال من لغة التطمين إلى لغة الإنجاز، ومن منطق التبرير إلى منطق المحاسبة.
إذا اكتفت اللقاءات بإحصاء المشاكل، فلن تكون سوى نسخة جديدة من لقاءات قديمة لم تغيّر شيئًا.
أما إذا خرجت بخطة تنفيذية موقّتة، ولجنة متابعة مستقلة، وشفافية في نشر المعطيات، فحينها يمكن للساكنة أن تُعيد قليلًا من ثقتها المفقودة.
إذن لقاءات التشاور ليست غاية في حد ذاتها، ولا قيمة لها إن لم تخرج بقرارات جريئة تُلمس في حياة الناس، خريبكة ليست في حاجة إلى المزيد من الخطب؛ هي في حاجة إلى إدارة تحبّ هذه المدينة كما يحبها سكانها، وإلى مسؤولين يفهمون أن المواطن لم يعد يقبل الوهم، ولم يعد لديه ما يكفي من الصبر لانتظار “وعود على دفتر”.
والسؤال الذي سيظل مطروحا على طاولة الجميع:
هل ترغب المؤسسات فعلًا في أن تتحقق أماني الساكنة… أم أن التشاور سيظل مجرد عنوان جميل يخفي واقعا متعبا؟



