الأيام الثقافية ببني ملال.. بين سؤال الإشعاع الثقافي وشبهة التوظيف الانتخابي و«وزيعة» التغطية الإعلامية
يناير.كوم ـ خريبكة
أثارت الأيام الثقافية المنظمة بمدينة بني ملال جملة من التساؤلات حول طبيعة هذه التظاهرة، وأهدافها، وطريقة تدبير جانبها الإعلامي، في وقت تقترب فيه الاستحقاقات التشريعية المقبلة وتتصاعد معه حساسية توظيف الأنشطة العمومية في صناعة الحضور السياسي والتواصل مع الناخبين.
ففي الوقت الذي يفترض أن تشكل فيه التظاهرات الثقافية مناسبة لدعم الثقافة وتعزيز إشعاع الجهة، يطرح الحضور السياسي المصاحب لهذه الأنشطة سؤالاً حول الحدود الفاصلة بين العمل الثقافي والتواصل المؤسساتي من جهة، وبين استثمار المناسبات الكبرى في تعزيز صورة فاعلين سياسيين وأحزابهم قبيل الانتخابات من جهة أخرى.
ويزداد هذا النقاش أهمية بالنظر إلى حجم الإمكانيات المرصودة لمثل هذه الفعاليات، في جهة ما تزال بعض أقاليمها تطرح أسئلة حقيقية بشأن التنمية والعدالة المجالية وتوزيع المشاريع والاستثمارات. وهنا تبرز خريبكة نموذجاً يستحق النقاش، باعتبارها أحد الأقاليم الأساسية بجهة بني ملال–خنيفرة، وما تزال ساكنتها تنتظر ترجمة عدد من الوعود والمشاريع إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ومن بين الملفات التي ظلت حاضرة في الخطاب الجهوي ملف المشروع الصناعي ذي الارتباط بالاستثمار الصيني، والذي جرى تقديمه في مناسبات متعددة باعتباره أحد المشاريع الكبرى القادرة على إحداث تحول اقتصادي وتنموي بإقليم خريبكة. غير أن استمرار الحديث عنه، دون أن يلمس المواطن بالقدر نفسه الآثار المنتظرة منه، يجعل من المشروع مادة مشروعة للمساءلة: أين وصل؟ وما حجم الاستثمارات المنجزة فعلياً؟ وكم عدد فرص الشغل التي أحدثها؟ وما نصيب إقليم خريبكة من النتائج المعلنة للسياسات التنموية الجهوية؟
«أتعاب» التغطية.. دعم للعمل الصحفي أم آلية لاحتواء النقد؟
لكن الجدل لا يقف عند مضمون الأيام الثقافية أو كلفتها وأولوياتها، بل يمتد إلى طريقة تدبير علاقتها بالصحافة.
فبحسب المعطيات المتداولة بشأن تنظيم التغطية الإعلامية لهذه التظاهرة، جرى الحديث عن تخصيص مبالغ مالية تحت مسمى «الأتعاب» لفائدة بعض المشاركين في تغطية فعاليات الأيام الثقافية. وإذا ثبت وجود هذه المبالغ، فإن الأمر يطرح أسئلة مهنية ومؤسساتية تستحق جواباً واضحاً من الجهة المنظمة: ما طبيعتها القانونية؟ ومن الجهة التي قررتها؟ وما المعايير المعتمدة للاستفادة منها؟ وهل يتعلق الأمر بخدمة إعلامية مؤطرة بعقود وفواتير والتزامات واضحة، أم بتعويضات مرتبطة بمجرد الحضور والتغطية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما يتزامن الحديث عن «الأتعاب» مع شكاوى من إقصاء منابر إعلامية جهوية من الاستدعاء الرسمي، بما قد يخلق انطباعاً بوجود صحافة مرغوب في حضورها وأخرى غير مرغوب فيها.
فالمال العمومي، متى كان حاضراً في تنظيم التظاهرات أو تمويل تواصلها، يفرض أن تكون معايير التعامل مع وسائل الإعلام واضحة وقابلة للتفسير، بعيداً عن منطق الانتقاء أو المكافأة أو العقاب على أساس الخط التحريري.
يناير.كوم خارج الاستدعاء.. والصمت بدل التوضيح
ومن بين المنابر التي تطرح سؤال الإقصاء موقع يناير.كوم، الذي يوجد مقره الاجتماعي بإقليم خريبكة ويشتغل في تغطية القضايا المحلية والجهوية والوطنية.
وحسب ما عاينه الموقع في تعامله مع الجهة المنظمة، لم يتوصل باستدعاء مؤسساتي لتغطية هذه الأيام، ما دفعه إلى محاولة التواصل هاتفياً مع المسؤولة عن التواصل للاستفسار عن أسباب ذلك. ورغم الرد على الاتصال، لم يحصل الموقع على توضيح بشأن سبب عدم استدعائه، وهو ما يترك السؤال مفتوحاً حول المعايير التي اعتمدت في تحديد المنابر المدعوة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بامتياز لفائدة منبر بعينه، وإنما بحق وسائل الإعلام المهنية في معرفة القواعد التي تؤطر علاقة مؤسسة أو تظاهرة ممولة من المال العام بالصحافة، خاصة عندما تكون الدعوات والتسهيلات أو التعويضات المالية جزءاً من منظومة التواصل المصاحبة للحدث.
أين خريبكة من «العدالة المجالية»؟
القضية في جوهرها تتجاوز استدعاء صحفي أو عدم استدعائه. إنها تعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع: كيف يفهم مجلس جهة بني ملال–خنيفرة العدالة المجالية؟
هل تنحصر العدالة المجالية في توزيع المشاريع والميزانيات، أم تشمل أيضاً الحضور المؤسساتي والتواصل والإشعاع الثقافي والإعلامي بين مختلف أقاليم الجهة؟
ومن حق ساكنة خريبكة، كما باقي أقاليم الجهة، أن تعرف حصتها الفعلية من المشاريع والاستثمارات والبرامج منذ انطلاق تجربة الجهوية المتقدمة، وأن تقارن بين ما أُعلن عنه في الخطابات والبرامج وبين ما أُنجز فعلياً.
أما الثقافة، فلا ينبغي أن تتحول إلى واجهة للتسويق السياسي، كما أن الصحافة ليست جمهوراً ينبغي ضمان تصفيقه مقابل «أتعاب». ومن يرفع شعار العدالة المجالية مطالب بأن يجعلها قابلة للقياس في المشاريع والاستثمارات والفرص والتواصل المؤسساتي، لا أن تبقى مجرد عبارة تتكرر في الخطب واللقاءات.
ويبقى من حق الجهة المنظمة ومجلس جهة بني ملال–خنيفرة الرد على هذه التساؤلات وتقديم المعطيات المتعلقة بميزانية التظاهرة، وآليات تمويل تغطيتها الإعلامية، ومعايير اختيار وسائل الإعلام المدعوة، حتى يكون النقاش مبنياً على الوقائع والأرقام بدل التأويلات.
فهل كانت الأيام الثقافية ببني ملال فعلاً احتفاءً بالثقافة، أم أننا أمام مناسبة أخرى تختلط فيها الثقافة بالتواصل السياسي، والمال العام بصناعة الصورة، فيما تظل أسئلة العدالة المجالية معلقة بين بني ملال وخريبكة؟



