يناير.كوم ـ خريبكة
تتجدد في مدينة خريبكة أسئلة قديمة حول واقع الخدمات الاستشفائية بالمصحات الخاصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمرضى المستفيدين من أنظمة التغطية الصحية المرتبطة بالمجمع الشريف للفوسفاط، وما يرافق بعض الحالات من شكاوى بشأن كلفة العلاج، وطريقة التكفل بالمرضى، ومدى وضوح الفواتير والخدمات المقدمة.
وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى طبيعة العلاقة التعاقدية بين المؤسسات الصحية وبعض أنظمة التأمين أو التغطية الصحية، إذ يفترض أن تكون هذه التعاقدات وسيلة لضمان علاج ملائم وسريع، وليس مدخلاً إلى تفاوت في المعاملة أو إلى اعتبار القدرة على الأداء عاملاً مؤثراً في مسار التكفل بالمريض.
وفي خريبكة، تبرز مصحة الشيخ زايد بشكل خاص في النقاش العمومي المرتبط بالخدمات الصحية المقدمة للفئات الفوسفاطية. فقد سبق أن شهدت المؤسسة احتجاجات لعمال وأطر ومتقاعدي المجمع، وطرحت آنذاك مطالب تتعلق بجودة الخدمات، والتجهيزات، والتكفل ببعض الحالات، ووضوح بنود العلاقة التعاقدية مع المجمع. وهي معطيات تعود إلى سنوات سابقة ولا يمكن إسقاطها تلقائياً على الوضع الحالي، لكنها تكشف أن الإشكال ليس وليد اليوم.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس فقط: كم يدفع المريض؟ وإنما أيضاً: من يراقب الفاتورة الطبية؟ ومن يتحقق من مدى تناسب الإجراءات الطبية والفحوصات المطلوبة مع الحالة الصحية؟ ومن يتأكد من احترام شروط التعاقد بين الجهة المؤمنة والمؤسسة الاستشفائية؟ وهل توجد آلية فعالة لتلقي شكايات المستفيدين والتحقيق فيها بشكل مستقل وشفاف؟
كما أن الحديث عن “الشناقة” أو عن تقديم المال على جودة العلاج يحتاج إلى أدلة دقيقة حتى لا تتحول الشكايات الفردية إلى أحكام عامة على قطاع صحي بأكمله. لكن تكرار شكايات المرضى، إن ثبتت، يستوجب على الجهات المعنية التعامل معها بجدية، وفتح قنوات واضحة للتظلم والتدقيق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تستقبل مرضى يستفيدون من تغطية مرتبطة بمشغل أو مؤسسة عمومية كبرى.
وتطرح هذه الوضعية كذلك سؤالاً أكبر حول دور المكتب الشريف للفوسفاط في مراقبة المؤسسات الصحية المتعاقد معها. فالتعاقد لا ينبغي أن ينتهي عند ضمان الأداء المالي للعلاج، بل يفترض أن يرتبط أيضاً بمعايير محددة للجودة، واحترام حقوق المريض، وشفافية الأسعار، وجودة الاستقبال، وآجال التكفل، والتجهيزات الطبية، ونسبة الإحالات إلى مؤسسات أخرى عند تجاوز الحالات لقدرات المصحة.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل توسع القطاع الصحي الخاص بمدينة خريبكة، ووجود مؤسسات استشفائية خاصة متعددة، من بينها و، إلى جانب ، وهو ما يجعل الحاجة إلى قواعد واضحة للمنافسة وجودة الخدمات وحقوق المرضى أكثر إلحاحاً.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن القطاع العمومي ضد الخاص، ولا بالعكس، وإنما بطرح سؤال مشروع: عندما يدفع نظام التغطية الصحية تكاليف العلاج، من يراقب أن المال المدفوع يقابله علاج فعلي، مناسب وشفاف؟
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الجهات المتعاقدة والمؤمِّنة، وليس فقط إدارة المصحة. فالمستفيد من التغطية الصحية لا ينبغي أن يجد نفسه وحيداً في مواجهة الفاتورة أو الإجراءات الطبية، بل يجب أن تكون هناك جهة تراقب، وتستمع إلى الشكاية، وتدقق في المعطيات، وتضمن أن العلاقة التعاقدية تخدم أولاً مصلحة المريض.
ويبقى السؤال المفتوح في خريبكة: أين توجد اليوم آليات المراقبة والتقييم التي يعتمدها المكتب الشريف للفوسفاط تجاه المصحات المتعاقد معها، وما هي المعايير التي تسمح باستمرار التعاقد أو مراجعته عندما تتراكم شكايات المستفيدين؟



